والباب بابا وهكذا لضحك المسؤول عن سؤاله هذا ، ولا يجيبه إلّا تعريضا بمثل : ارجع إلى من يداوي أنفك ويصلح حالك .
ولا يستر عليهم أيضا أنّهم إن وقفوا على من يتمكّن من مصنوعات كثيرة مختلفة الكميّات وبديعة الأوضاع والأشكال ، عزيزة الفوائد وقليلتها ، ولم يفعل شيئا منها يعيّرونه كلّ التعيير ، وإذا فعل ماله أن يفعل لم يعترض عليه أحد منهم بأنّه : لم جعل الخيّاط خيّاطا ، أو السيف سيفا ، والأوّل صغيرا والآخر كبيرا ، والمصنوع الفلاني كرويّا وآخر مضلّعا ؟ ولو نقص عن شيء منها ما يليق خصوص ذلك الشيء وحاله ، بحسب ما يتصوّره العارفون منهم بما يجب في نظام صنعته ومرتبة ذلك المصنوع مادّة أو وضعا أو زاد عليه لعيّروه كلّ التعيير ، ثمّ يسألون مع ذلك عن أفعال الحكيم المطلق ، والعدل الحقّ الذي لا يسأل عمّا يفعل وله عاقبة الأمور .
وقد يذهبون إلى الجبر ، وبرهة يميلون إلى التفويض والتعطيل ، فحقّ عليهم القول
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
« 1 » .
نعم ، هذا أيضا من سوء سريرتهم ونقصهم وبعدهم عن ساحة أنوار الكاملين المكمّلين الأوصياء الراشدين المرشدين ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) ، ومن علائم يظهر بها تزوير المبطلين ؛ فإنّ الكامل المكمّل لمّا كان عارفا بكلّ موجود ومرتبته كما علّمه اللّه تعالى وعرّفه
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
« 2 » - لا يحكم فيه إلّا بما حكم به اللّه تعالى ، ويوفّيه حقّه في كلّ موطن ومقام .
اسم هر چيزى تو از دانا شنو * رمز وسرّ علّم الأسماء شنو
نزد موسى نام چوبش بد عصا * نزد خالق بود نامش اژدها
وقد أضاف اللّه تعالى الأعمال إلى كسب العباد واختيارهم الجزئي الظاهر ، فالتنزّه عنه بالقول بالجبر تفريط ، ونفى تعالى عنهم الاستقلال بالفعل ، فالاعتداء عن الكسب الذي هو التوجّه الجازم إلى خلق الأفعال الاختياريّة بالقدرة المستقلّة إفراط .
وهكذا حال أتراب الكاملين الذين اقتفوا أثرهم ، وتجرّعوا من فواضل كأسهم ، واستضاؤوا بأنوارهم ، فيسعى نورهم وإمامهم بين أيديهم ، وقد شملتهم أشعّته من كل جهة ، وعمّتهم من كلّ
هامش
( 1 ) . عبس ( 80 ) الآية 17 - 20 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) الآية 31 .