ملابسة تعيّنات الأطوار
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
« 1 » ، وإن كان الكلّ من مراتب فيضه الواحد الإطلاقي الغير المقيّد بمرتبة وتعيّن ، وإلّا لما انبسط على تمام المراتب وصنوف التعيّنات ، فأنت من مراتب فيضه التي هي ظهوراته وأفعاله ، ولا ينحصر الظاهر في ظهور ، كما لا ينحصر النفس بالكلمات ، ولا الكاتب بما يبديه من الأوضاع والهيئات ، والظاهر في الظهور أظهر من نفس الظهور ، فهو الظاهر على كلّ الأشياء بسلطانه وعظمته ، والعالي عليها بجلاله وعزّته ، والباطن لها بعلمه ومعرفته ، وقبلها بالقبليّة السرمديّة ، ومعها بالمعيّة القيّوميّة ، ومنتهاها الذي لا محيص عنه
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 2 » .
وفي نهج البلاغة عن إمام المتّقين ( صلوات اللّه عليه ، وعلى زوجته الطاهرة ، وأولاده المعصومين ) : « ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلّا على أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة ؛ لدقيق تفصيل كل شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ ، وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف في خلقه إلّا سواء » « 3 » .
وفي خطبته عليه السّلام في الملاحم « الحمد للّه المتجلّي لخلقه بخلقه ؛ والظاهر لقلوبهم بحجّته » . « 4 » وفي خطبة أخرى منه عليه السّلام : « فما قطعكم عنه حجاب ، ولا أغلق عنكم دونه باب ، وإنّه لبكلّ مكان ، وفي كلّ حين وأوان ، ومع كلّ إنس وجانّ ، ولا يثلمه العطاء ، ولا ينقصه الحباء ، ولا يستنفده سائل ولا يستقصيه نائل ، ولا يلويه شخص عن شخص ، ولا يلهيه صوت عن صوت ، ولا تحجزه هبة عن سلب ، ولا يشغله غضب عن رحمة ، و ( لا ) تولهه رحمة عن عقاب ، ولا يجنّه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون ، قرب فنأى ، وعلا فدنا ، وظهر فبطن ، وبطن فعلن ، ودان ولم يدن ، ولم يذرأ الخلق باحتيال ، ولا استعان بهم لكلال » . « 5 »
وفي أخرى منه عليه السّلام أيضا : « واحد لا بعدد ، ودائم لا بأمد ، وقائم لا بعمد ، تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة ، لم تحط به الأوهام بل تجلّى لها بها ، وبها امتنع منها ، وإليها حاكمها » . « 6 »
هامش
( 1 ) . نوح ( 71 ) الآية 14 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) الآية 156 .
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 185 .
( 4 ) . نفس المصدر ، الخطبة 108 ، صبحي الصالح .
( 5 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 195 .
( 6 ) . نفس المصدر ، الخطبة 185 .