للماهيّات التي كلّ واحدة منها بجوهرها ومقولتها مبائنة لواحدة أخرى وآبية عنها ، فليس مراد المحقّقين نفي الكثرة على الإطلاق ، بل التنبيه على عدم السبيل لها إلى ساحة الحقيقة .
نعم ، تحقّق تلك الكثرات إنّما هو بالفيض الواحد المتشأّن بالشؤون على حسب العلم الذاتي البسيط في عين الكشف التفصيلي ، والانبساط المفهومي ، والحبّ الأصلي بتعريف الكنز المخفي « 1 » ، ثمّ ذلك التكثّر لا يوجب تكثّر الفيض وتجدّده بما هو فيض الحقّ الواحد ، فإن أوجب تكثّر الوجودات الخاصّة المتّحدة مع تلك الحقايق ؛ فالفيض واحد دائم ، والمستفيض متكثّر متجدّد ، وهو ينقلب في الأحوال ويتشاءن بها ، وهي لا تتقلّب عليه .
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 2 » يبديه ، لا أنّ الشؤون مختلفة عليه يبتديها . فافهم إن كنت من أهله .
آب اين جو شد مكرر ، چند بار * عكس ماه وعكس اختر برقرار
لكن على سبيل التحوّل للقابل المستكمل إلى مقام عال .
از آن جانب بود ايجاد وتكميل * وز اين جانب بود هر لحظه تبديل
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 3 » .
فاللبيب من شاهد وحدة الفيض ودوامه في الكثرات المتجدّدة ؛ لأنّ كلّا يعمل على شاكلته « 4 » ، وعرف الارتباط بدوام تجدّدها ، وجهة ثباتها عند الحقّ ، وما كان عطاء ربّك مجذوذا « 5 » .
وفي المأثورات عن أهل بيت العصمة والطهارة ( سلام اللّه عليهم أجمعين ) : « اللّهمّ إنّي أسألك من منّك بأقدمه وكلّ منّك قديم » « 6 » .
قال صدر المتألّهين في ذلك السفر أيضا : « فمن توقّف مع الزجاجات وألوانها واحتجب بها عن النور الحقيقي ومراتبه الحقيقة التنزّليّة اختفى النور عنه ؛ كمن ذهب إلى أنّ الماهيّات أمور متأصّلة في الوجودات ، والوجودات أمور انتزاعيّة ذهنيّة ، ومن شاهد ألوان النور وعرف أنّها من
هامش
( 1 ) . إشارة إلى حديث « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف » .
( 2 ) . الرحمن ( 55 ) الآية 29 .
( 3 ) . النحل ( 16 ) الآية 78 .
( 4 ) . اقتباس من الإسراء ( 17 ) الآية 84 .
( 5 ) . الآية في القرآن هكذا : وما عطاء ربّك محذورا . وأيضا : عطا غير مجذوذ .
( 6 ) . الإقبال ، ص 34 و 77 و 101 .