من مراتب الإمكانات ، وعين من الأعيان . وأنّ الوجود المنبسط الذي هو إشراقه تعالى ومشيئته لا جوهر ولا عرض ، ولا عقل ولا نفس ، ولا سماء ولا أرض ، ولا غير ذلك من التعيّنات بذاته ، بل يتعيّن بجميعها بعين تعيّن ما يتّحد به ، ويرد عليه ، ويتحقّق به لا قبله ولا بعده .
كما أنّ النور الحسّي الوارد على الزجاجات لا أسود ولا أبيض ، ولا أخضر ولا أحمر ، ويتّصف بكلّ ذلك من شروقه على ما اتّصف به بالذات وإظهاره له لا قبله ولا بعده ، والفرق أنّ النور الحسّي يوجب ظهور الأجسام وصفاتها عند الحسّ ، والنور الحقيقي الذي وسع كلّ شيء يظهر الماهيّات المعدومة خارجا بحسب نفس الأمر .
ولست أقول : إنّ الماهيّات أمور اعتباريّة محضة ، ولا تحقّق لها خارج الذهن أصلا ، كما يتوهّمه الجاهلون ، بل المراد نفي تأصّلها ونسبة الثبوت إليها على وجه الحقيقة ؛ فإنّ ذلك مستلزم للانقلاب وهو بديهي البطلان ، سواء كان انقلاب الماهيّة إلى الوجود أو لمرتبة منه إلى أخرى ؛ بناء على ذوق العرفاء من أنّ الأعيان وجودات خاصّة علميّة ، وإلّا لزم التركّب فيما لا سبيل له إليه .
فما هو ثبوت وثابت بالحقيقة هو الوجود ، والماهيّة تابعة له في ذلك وثابتة بنفس ذلك الثبوت ، لا أنّ لها ثبوتا غير الذي للوجود حقيقة حتّى يكون لكلّ موجود وجودان ، وفي دار التقرّر أصلان ؛ فإنّ هذا خارج عن طور العقل ، وشهادة الحسّ والوجدان ، بل كما أنّ المتحصّل بالأصالة هو الفصل ، والجنس متحصّل بالعرض بعين تحصّله ذلك ، والنور الحسّي ظاهر بالذات والحدود ظاهرة بعين ذلك الظهور تبعا ، وكذلك الماهيّة ثابتة بالعرض بعين الثبوت الذي للوجود حقيقة .
قال صدر المتألّهين قدّس سرّه في الأمور العامّة من الأسفار الأربعة : « فالغرض أنّ الموجود في الخارج ليس مجرّد الماهيّات من دون الوجودات العينيّة ، كما توهّمه أكثر المتأخّرين » . « 1 » انتهى كلامه ، رفع مقامه .
أقول : ولو كان الأمر كما توهّموه فيكف يتّحد الوجود مع ما ليس إلّا صرف المفهوم الاعتباري ؟
وما هذه الكثرات المشاهدة التي يقال لها : أين السماء من الأرض ، وأين الإنسان من الحجر ؟ وأنت تعلم أنّ تلك المباينة العزليّة لا تتحقّق إلّا بما ذاتيّة البينونة وتصحّح الغيرية ، وليس ذلك إلّا
هامش
( 1 ) . الأسفار ، ج 1 ، ص 66 .