حزب الشيطان هم الخاسرون . « 1 »
والمأثور من معادن العلم والحكمة طبقا لما حكم به العقل السليم ، وشهد به الذوق الصحيح ، وذهب إليه الراسخون كلّا : أن لا جبر ولا تفويض ، ولا مجال للتشريك ، بل أمر بين الأمرين « 2 » والأخير ساقط من البين ، ولا ينثلم به أصل عقليّ ، ولا يزاحم قياسا جليّا . « 3 »
في الكافي عن أبي جعفر ، وأبي عبد اللّه عليهما السّلام بعد ما سألا : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة :
« نعم ، أوسع ممّا بين السماء والأرض » . « 4 »
وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « لا جبر ولا قدر ، ولكن منزلة بينهما فيها الحقّ الذي بينهما لا يعلمها إلّا العالم أو من علّمها إيّاه العالم » . « 5 »
وفي الحديث القدسي : « وإذا قال : إنّ الخير من عندي والشرّ من عند إبليس فقد جحد ربوبيّتي ، وجعل إبليس شريكا لي » .
ولمّا كان من منن اللّه تعالى ما أفاض في ذلك على عبده الفقير من طريق التأمّل في الآيات القرآنيّة والمآثر الولويّة ، أردت إظهار طرف يسير من مواهب نعمه الجسيمة ، ونبذ من أياديه العظيمة ؛ رجاء لمزيد إنعامه ؛ وبراء من موجبات خذلانه : وقال تعالى
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً
« 6 » ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
« 7 » .
فأقول - وباللّه المأمول - : كشف الحجاب عن طلعة المرام موقوف على تقديم أمور :
الأمر الأوّل : أنّه قد تقرّر عند أهل التحقيق أنّ الماهيّات الإمكانيّة حقايق سرابيّة ، لا تأصّل لها خارجا ولا ذهنا ، وأنّها في الخارج حدود للوجودات الخاصّة متّحدة بها ، وفي الذهن منتزعة منها ومتّحدة أيضا مع الوجود الذهني ، وبحسب تنزّل الفيض المقدّس إلى كلّ منزلة تظهر مرتبة
هامش
( 1 ) . اقتباس من إبراهيم ( 14 ) ، الآية 22 ؛ المجادلة ( 58 ) ، الآية 19 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 160 ، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، ح 13 نقل مفهوم الحديث .
( 3 ) . المراد بالأوّل هو القاعدة الأوّليّة أعني عدم الواسطة بين النفي والإثبات ، وبالثاني عدم صدور الشرور عمّا هو خير محض ، وقولنا : « من البين » لا يخفى لطفه ؛ لإشعاره بوجه سقوط الثالث ؛ لأنّه ناش من الذهاب إلى البينونة العزليّة وأنّ فاعل الشرور ومكافئ لفاعل الخيرات سبحانه وتعالى عمّا يشركون . ( منه ره )
( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 159 ، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، ح 9 .
( 5 ) . نفس المصدر ، ح 10 .
( 6 ) . الشورى ( 42 ) الآية 23 .
( 7 ) . البقرة ( 2 ) الآية 159 .