شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 1 » .
وبعد تمهيد الأمور نقول : ترتّب الشرور إنّما هو على النقائص والإمكانات ، ولمكان الماهيّة والمحدوديّة اللازمة لذات الموجود الممكن ، أي لكون الشيء ممكنا ومعلولا على الإطلاق ؛ ولخصوص مرتبة كلّ معلول ؛ فإنّ كلّ معلول لنفس معلوليّته ودونيّته من مرتبة علّته يلزمه المحدوديّة والتناهي ولو كانت علّته غير متناهية شدّة وعدّة ومدّة ؛ لأنّ المعلول أثر العلّة ، وأثر الشيء دونه قطعا وإلّا لما ترجّح صدوره عنه على عكسه ، وكلّ ما هو دون شيء ومتنزّل عنه فهو محدود ؛ لأنّ معنى كونه دونه عدم بلوغه رتبته وقصوره عن قوّته ، وإلّا لما تحقّق به ، فليس غير محدود لا يقف إلى حدّ بل له حدّ لا يمكنه التجاوز عنه .
ولتقيّد المعلول وحصره بمرتبة خاصّة يلزمه أيضا حدّ خاصّ ، ولا ريب في أنّ العلّة منزّهة عن ذلك الحصر والتحديد ؛ لأنّ نسبة المعلول إليها نسبة المقيّد إلى المطلق ، وهي نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، ولا مجال للانتساب في المقام تحقيقا ، كما هو الشأن عند أخصّ الخواصّ .
وأيّة نسبة لما لا شيئيّة له أصلا ورأسا مع ما هو عين الشيئيّة وتمامها وحقيقتها الذي « 2 » كلّما يقال له : شيء فهو فيء منه وأثره وفعله
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
« 3 » ، وكيف قياس الفقر المحض مع الغناء الصرف . « ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » « 4 » .
فصحّ أنّ المعلول الحيواني مثلا لخصوص كونه حيوانا يلزمه أيضا حدّ خاصّ به ، وأنّ الجاعل لما أفاد وجود الحيوان بسعة الحيوانيّة المعلومة له قبل إيجاده بعلمه الوجداني الكمالي بكلّ ما يمكن وجوده تفصيلا ؛ ولم يزد عليها ؛ لامتناعه عن قبول الزيادة امتناعا ذاتيّا لا لنقص أو بخل في جهة الفاعل تعالى عن ذلك ، ترتّب على فقدانه هذا ، وعدم وجدانه لكمالات ما هو فوقه نقائص وشرور ، وهذا ؛ لأنّه كما أنّ التخالف بين ماهيّات الموجودات العينيّة إنّما هو بحسب ذواتها وأنّ الإنسان يباين الحجر ؛ لأنّه إنسان وذاك حجر لا لأمر غير ذاتيهما حتّى يتعلّل ولم ينقطع السؤال ب « لم » و « بم » ؛ وفي وجوداتها بمراتبها من الشّدة والضعف ، والتقدّم والتأخّر كذلك المعلوم وإن لم يكن موجودا في الحضرة العلمية إلّا للعالم به لا لنفسه ، بل كما هو الشأن في
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 44 .
( 2 ) . صفة لما . ( منه ره )
( 3 ) . فاطر ( 35 ) الآية 15 .
( 4 ) . قاله لبيد وهو كما روي عن رسول اللّه ( ص ) « أصدق كلمة قالتها العرب » . راجع بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 295 ، ح 40 .