وأنّه الشيء بحقيقة الشيئيّة ، كما ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة « 1 » ، وهذا البعد أيضا ليس إلّا من جهة محصوريّة المعلول وفيئيّته ، وانحطاط هويّته ، وعلوّ علّته ، فهو محجوب عن شهود قيّومه بغطاء حدّه ، وممنوع عن البلوغ إلى معبوده لسدّ يقينه وغاشية ظلّيّته .
فالحجاب لأجل القصور ، وفقدان الكمال ، ولا يكون إلّا من المحجوب عن شهود العلي المتعال وإن كان كلّ وجود مجعول صرف الربط بجاعله ، ومحض التعلّق ببارئه ، ولا قوام له إلّا بخالقه ، وإلّا لاستقلّ دونه ، وانقلب عن جوهره وكمونة
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
« 2 » .
وهل يذهب من له أدنى دراية إلى حلول المجرّد عن كلّ حدّ ، وتعيّن ، وخالق كلّ حالّ ومحلّ ، وبارئ كلّ نور وغسق ، والمحيط القيّوم الذي ليس له نهاية وغاية في ظلّ محدود وأثر مجعول محصور ؟ قتل الجاهل الشقيّ ما أضله
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
« 3 » بل أولئك هم الشياطين ، بل الشيطان يجتنب عنهم ، والإبليس يتبرّأ منهم ، والعفريت يلعنهم .
وكان فتى من جندِ إبليس فارتقى * به الأمر حتّى صار إبليس جنده
تا تو بودى آدمي ، ديو از پيَت * مىدويد ومىچشانيد از ميت
چون شدى در خوى ديوى استوار * مىگريزد از تو ديو ، اى نابكار
ديو نزد آدمي شد بهر شر * از تو بگريزد كه از ديوى بتر
روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة ، حكي أنّه عليه السّلام خطبها في جامع الكوفة « من لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال : هو عنها بائن ، ولم يخل منها فيقال : أين ولم يقرب منها بالالتزاق ، ولم يبعد عنها بالافتراق ، بل هو في الأشياء بلا كيفيّة ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد » « 4 » .
وفي خطبة أخرى يذكر عليه السّلام فيها ابتداء خلق السماوات والأرض وخلق آدم : « كائن لاعن حدث ، موجود لاعن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة ، غير كلّ شيء لا بمزايلة » « 5 » .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 83 ، باب إطلاق القول بأنّه شيء ، ح 6 .
( 2 ) . فاطر ( 35 ) الآية 41 .
( 3 ) . المجادلة ( 58 ) الآية 19 .
( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 293 ، ح 22 ؛ التوحيد ، ص 79 ، باب 2 التوحيد ونفي التشبيه ، ح 34 .
( 5 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 1 .