الحاكم على أهل الملل بحججها حين ثنيت له وسادة جدّه ، وجلس عليها فيما كلّم به عمران الصابي عندما سأله بقوله :
ألا تخبرني - يا سيّدي - أهو في الخلق أم الخلق فيه ؟ قال الرضا عليه السّلام : « جلّ يا عمران عن ذلك ، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه ، تعالى عن ذلك ، وسأعلّمك ما تعرفه به ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه .
أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك ؟ فإن كان ليس كلّ واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيء استدللت بها على نفسك ؟ - قال عمران : بضوء بيني وبينها - قال الرضا عليه السّلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينك ؟ - قال نعم - قال الرضا : فأرناه فلم يحر جوابا . « 1 »
قال الرضا عليه السّلام : فلا أرى النور إلّا وقد دلّك ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما ؛ ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا ، واللّه المثل الأعلى - وساق الحديث إلى أن قال - والنور في هذا الموضع أوّل فعل اللّه الذي هو نور السماوات والأرض ، والحروف هي المفعولة بذلك الفعل » « 2 » .
ثمّ من المستبين عند أهله أنّ التنظير بصور المرائي الزجاجيّة وحكايات الأجسام الصقيلة « 3 » إنّما وقع في كلام الحكماء والعرفاء لمحض إفادة أنّ الوجود المجعول ليس له شيئيّة واستقلال ، وإلّا فكيف يقاس إنعام الحقّ ذي العظمة والجلال ، وما هو صرف الربط بالجاعل المتعال ، وبحت الفقر إلى المنّان المفضال ، وتجلّياته التي نشأت من صريح ذاته التي هي عين العلم الفعلي الأزلي والإرادة الأصليّة الحقّة الإطلاقيّة وأضاءت كلّ تعيّن إمكاني ، ومظلم أزلي مع أشباح تتراءى عند الأبصار من مقابلة أمر مادّي مع آخر يحاذيه من غير إرادة منه ، بل لو كان المثال المرئي أمرا منطبعا في القابل ، كما يظنّه من هو بالانطباع قائل ، فهو عرض قد وجد فيه بإفادة من المبدئ البديع .
ومن يتوهّم غير ذلك - وأنّ الوجودات الإمكانيّة نسبتها إليه تعالى نسبة الأضلال والعكوس إلى النيّرات الحسّيّة ، والفواعل الطبيعيّة التي هي مقرّبات للقوابل إلى الجوار الحقيقي ، ومعدّات للمحال حتّى تستعدّ لفيض الفاعل الإلهي - فقد سوّى المخلوق والخالق ، وكأنّه لم يسمع تبرّأ
هامش
( 1 ) . أي لم يرد جوابا ، يقال : كلّمته فما أحار جوابا . ( منه ره )
( 2 ) . عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، ص 155 ، ح 1 .
( 3 ) . كذا في المصدر ولكنّ الصحيح : الصيقلة .