وكلّما أمعنت في تصوّر ذاته فقد ذهبت في البعد عنها ، وأخذت في البينونة معها ؛ لأنّ جميع ما تصوّرته وحصّلته مفاهيم ذهنيّة ، وصور ظليّة ، وذات ذلك الإنسان نفس حقيقته الخارجيّة التي لم تتجاف عن مقامها ، وما انخلعت عن رتبتها ، فلا أظنّك أن تتوهّم إمكان شهود هويّة محدودة ظلّيّة ، ورقيقة أثريّة ، وإدراكها للحقيقة الأصليّة المحيطة التي هي صرف الحياة الأزليّة ، ومحض العينيّة والنوريّة ، وهل يحيط ظلّ ممدود إلى حدّ محدود بنور قهّار ، لو كشف سبحات وجهه لأحرقت وأفنت كلّ ظلّ وظهور ؟ .
برو اين دام بر مرغ دگر نه * كه عنقا را بلند است آشيانه
فكلّ ما ميّزته بوهمك وتصوّرته بعقلك فهو مخلوق لك ، مردود إليك « 1 » ، وليس إلّا حجابا لك عن التقرّب إلى بارئك وجاعلك ، لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن « 2 » ، بل لا يزيده التفكّر إلّا بعدا ، ولا يفيده التعقّل إلّا أغشية وأستارا ، ولست بهذه الصنيعة من الذين جاهدوا في سبيله ، بل من الذين ضلّوا عن عبادة الخلّاق الجليل ؛ للإعراض عن التوسّل بذيل الدليل .
تو كه ناخواندهاى علم سماوات * تو كه نابردهاى ره در خرابات
تو كه سود وزيان خود ندانى * به منزل كي رسى هيهات هيهات
* * *
دانم نرسى به كعبه ، اى اعرابى * كاين ره كه تو مىروى به تركستان است
قطع اين مرحله بىهمرهى خضر مكن * ظلمات است بترس از خطر گمراهى
وقد حصل من هذا الطرف من البيان أنّ كلّ ما تراه أو تدركه بأيّة قوّة من أخرى قواك ليس إلّا تعيّنا إمكانيّا قد تنوّر بنور رشحي ، ووجود ظلّي ، وليست الوجودات المحدودة إلّا مراتب الفيض المنبسط من المفيض البسيط الباسط ، ودرجات الرحمة الواسعة من الرحمن الواسع ، وأنت لا تقدر على شهود التعيّنات بأسرها ، والإحاطة بتطوّرات ذلك النور المتنزّل من الصدر إلى ساقتها
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
« 3 » ؛ لأنّها لا نهاية لها
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 4 » فكيف بشهود مفيضها ومنزلها والمحيط بها .
هامش
( 1 ) . اقتباس من « كلّما ميّز تموه بأوهامكم . . . » ؛ بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 293 .
( 2 ) . اقتباس من : نهج البلاغة ، الخطبة 1 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 37 .
( 4 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 85 .