صرف الشيء لا يتكرّر ، والحقيقة بنفسها لا تتثنّى ، فلا مصحّح لأن يطلق على ذلك التجلّي الفيئي ، والفيض الواسع الإلهي ، والرحمة الرحمانيّة التي شملت كلّ شيء لفظة الذات ، والحقيقة ، والوجود ، بل يقول العارف المنوّر : إنّ ما يسمّى غيرا وسوى وهويّات وأشياء فليس إلّا تطوّرات داثرات ، وتعيّنات فانيات .
كلّ ما في الكون وهم أو خيال * أو عكوس في مرايا أو ظلال
وقد قيل : إنّ نفس النبيّ الختميّ صلّى اللّه عليه وآله قد اهتزّت بهذه النغمة الروحانيّة اهتزازا علويّا روحيّا ، لا سفليّا جسميّا حين سمع قول لبيد :
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالةَ زائل
وطربت طربا قدسيّا ، لا حسّيّا للتذكّر بالفناء التامّ عن النشأة الفانية ، وتبدّل الوجود الكوني بالبقاء الدائم ، وقال صلّى اللّه عليه وآله : « ألا إنّ العيش عيش الآخرة » « 1 » وقد ورد عنه صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كلّ شيء » « 2 » الخ .
ويذهب ذلك المكاشف ( إلى ) أنّ المشاهد للظلّ ، والقائل به ، والناظر إلى الأثر ، والملتفت إليه ليس إلّا سوفسطائيّا ذاهلا عن شهود الأصل ، وغافلا عن التوجّه إلى مبدأ الكلّ ، فهو من التوحيد عادل وعزل .
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام وقائد سلاسل الموحّدين إلى جوار منتهى أمل الآملين في ذيل خطبة له في التوحيد : « يقول لما أراد كونه : « كن » فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا . « 3 »
وقد ورد « 4 » عنهم ( سلام اللّه عليهم ) كثيرا ما مفاده : أنّ كلّ لفظة تطلق على المخلوقين مثل :
الواحد ، والعالم ، والقادر ، وغيرها ممّا يشعر بكمال فهو فيهم بمعنى غير ما أطلق به عليه تعالى ، فليس ما يشاهد من الخشب المسنّدة ، والهياكل المهوّلة ، والهيئات المنضدة إلّا تعيّنات نور النيّر الحقيقي ، وأطوار الظلّ الممدود من الصمد المعبود
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 20 ، ص 238 ، باب غزوة الأحزاب .
( 2 ) . مصباح الشريعة ، ص 378 .
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 186 .
( 4 ) . راجع : بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 68 ، ح 12 نقل بالمعنى .