بها من فعل الشيء أو تركه بعد إرادة له سابقة مترددة عليهما بمعنى أنه يمكنه أن يفعل أيهما شاء على سبيل البدل أو يترك أيهما شاء كذلك على سبيل البدل وداعيته مترددة بين الأمرين ، ثم هداه النجدين [ 24 أ - أ ] ليتميز له غاية الأمرين ، بعد أن نصب له دلائل ظاهرة ، وأخرى مفتقرة إلى النظر وإمعان الفكرة ، ليحصل له معرفة حسن الحسن ، وقبح القبيح ، أولا بحجة عقله ، ثم تكشف له دلائل الشرع بما تخرجه عن جهله فكيف بعد ذلك إما شاكرا وإما كفورا .
قلت : وهذه الجملة هي معنى التكليف إذ حقيقته على تسامح وعدم مشاججة مشاجج تكليف من عدل حكيم رؤوف رحيم ، واجب الطاعة ومستحق العبادة لكل عاقل قادر غير معذور ، بأمور شاقة مخصوصة أوجب سبحانه إتيانها وامتثالها اختيارا لا اضطرارا على أوجه مخصوصة ( اعتقادا وقولا وعملا أو أيها نوّه منه ونهى سبحانه وتعالى عن مقبحات ) « 1 » مشتهيات لذيذة أوجب الانتهاء عنها وتركها على كل عاقل قادر غير معذور اختيارا لا اضطرارا ولا ملجئ إلى أيهما لحكمة ظهر لنا حسنها أم خفى علينا لصحة عدله وحكمته تقدس وتعالى .
قلت : ويؤيد هذا ما قاله المنصور باللّه - عليه السلام - فيما يقرب من آخر الجزء الثاني من ( الشافي ) وذلك ما لفظه : « فالإلجاء ينافي التكليف لأن التكليف لا بد في شرطه من تردد الدواعي إلى الفعل أو الترك ليقع التكليف موقعه ويفعل الواجب لوجوبه لا للنفع الذي يصلح به ، ويترك القبيح لقبحه لا لخشيه المضرة بسببه وإن كان لا بد من وصول الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية » « 2 » .
انتهى كلامه - عليه السلام - في هذا البحث .
هامش
( 1 ) ما بين القوسين ساقط في ( ب ) .
( 2 ) الشافي ( 2 / 247 ) .