ولأجل ذلك ربما يكتب فيها الموت لانسان بالنظر إلى مقتضياته ، ولكنّه يمحى ويكتب مكانه الصحّة لفقدان ما هو الشرط لحصول الموت ، أو طروء مانع عن تأثير المقتضي .
وعلى الجملة فها هنا تقديران :
تقدير بالقياس إلى المقتضي وهو ما يوجب الموت .
وتقدير بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته وهو ما يقتضي الصحّة والسلامة .
فإذا قيس الشيء إلى مقتضيه الذي لا يكفي في العليّة والمبدئيّة ، ويتوقّف على وجود شرائط ، وعدم موانع ، يكون المقدّر - في المفروض - هو الموت .
وأمّا إذا قيس إلى مجموع أجزاء العلّة التامّة أعني وجود المقتضي منضمّا إلى شرائطه ، وعدم موانعه ، يكون المقدّر - في المفروض - هو الصحة والسلامة .
فلنفرض : إذا تناول انسان السم المهلك فلا شك انّ ذلك يقتضي هلاكه ( لأنّ السمّ مقتضي الهلاك ) ولكنّه مشروط بعدم تناول الترياق ( المضادّ للسم ) أو إجراء عمليّات طبيّة ، أو جراحيّة .
فبالنسبة إلى نفس المقتضي فالمقدّر هو الموت ، وإذا فرض انّه تناول الترياق أو أجريت له عمليّات طبيّة يكون المقدّر هو الصحة والسلامة .
إذا عرفت ذلك فنقول : انّ المصدر لاخبار النبي الأوّل الذي حصل فيه البداء هو وقوفه على وجود المقتضيات لا العلّة التامّة ، ولأجل ذلك صحّ له أن يخبر عن التقدير الأوّل لأجل وجود المقتضي ،
البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 91
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٩١