تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
3 - انّ علمه سبحانه ينقسم إلى علم ذاتي وإلى علم فعلي ، فعلمه الذاتي نفس ذاته ، ولا يحصل فيه تغيّر وتبدّل ، وأمّا علمه الفعلي فهو عبارة عن لوح « المحو والإثبات » والملائكة ونفوس الأنبياء والأولياء فإنها مظاهر لعلم اللّه ، فإذا قالوا : بدا للّه في علمه ، فمرادهم وقوع « البداء » في هذه العلوم ، ونسبته إليه تعالى مجاز عقلي ، لأنّهم حملة تلك العلوم ووسائطها . وإن شئت قلت : إنّ مراتب علمه سبحانه مختلفة ومحالّها متعدّدة ، فأوّلها وأعلاها : العلم الذاتي المقدّس عن التكثّر والتغيّر ، وهو محيط بكلّ شيء ، وكلّ شيء حاضر عنده بذاته ، وغيره علمه الفعلي ، أي إنّ بعض أفعاله مظاهر علمه كلوح المحو والاثبات ونفوس الملائكة والأنبياء ، فبما أنّ تلك النفوس لا تنتقش فيها الحوادث دفعة واحدة لجزئيّتها ، وعدم تناهي الحوادث بل تطلّع عليها تدريجا وشيئا فشيئا فربّما تطلّع على شيء وسببه ، ثم تطّلع على سبب آخر يقتضي عدمه ( عدم ذلك الشيء ) فيبدو لهم خلاف ما علموا أوّلا ، وحينئذ يقولون : بدا للّه ، أو بدا في علمه ، فالمراد : البداء في علمه الفعلي لا علمه الذاتي . قال صدر المتألّهين : انّ للأسماء الحسنى مظاهر ومجاري ، وللّه تعالى عبادا ملكوتيين ، أفعالهم كلّها طاعة له سبحانه ، وبأمره يفعلون ما يفعلون ، ولا يعصون اللّه في شيء من أفعالهم وإرادتهم ، وكلّ من كان كذلك كان فعله فعل الحق ، وقوله قول الصدق ، إذ لا داعية في نفسه تخالف داعي الحق ، بل يستهلك إرادته في إرادة الحق ، ومشيئته في مشيئة الحق ، ومثال طاعتهم للّه سبحانه ولأمره ، مثال
البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 88 | الشيخ جعفر السبحاني