ولم يكن ذلك الأمر مختصّاً بالنبي الأكرم ، بل الإمعان في تاريخ أصحابه والخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبي يدلّ على أنّهم انتهجوا أيضاً نهج تنصيب الخليفة ، لا تفويض أمره إلى الأُمّة . فلو أغمضنا النظر عن خلافة أبي بكر وما جرى حولها من لغط وشغب ، وضرب وشتم وإرعاب وإرهاب وغير ذلك من الأُمور الّتي تجعلها بعيدة كل البعد عن الشورى والانتخاب النزيه ، فلنا في انتخاب الخليفتين الآخرين دليل واضح على أنّ المتصوّر من الخلافة عندهم هو تعيين الخليفة شخصاً لا تفويض أمر انتخابه للظروف والأُمّة .
2 - قال ابن قتيبة : دعا أبو بكر عثمان بن عفّان فقال : اكتب عهدي ، فكتب عثمان وأملى عليه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحاً عنها وأوّل عهده بالآخر داخلًا فيها ، انّي أستخلف علكيم عمر بن الخطاب . . . . « 1 »
ويظهر من ابن الأثير في كامله أنّه غشي على الخليفة أثناء الإملاء وانّما أكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه ، ثمّ أفاق أبو بكر فقال : اقرأ عليّ ، فقرأ عليه فكبّر أبو بكر وقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي . « 2 »
فهل يمكن للخليفة أن يلتفت إلى الخطر الكامن في ترك الأُمّة دون خليفة ، ولا يلتفت إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! !
هامش
( 1 ) . الإمامة والسياسة : 1 / 18 .
( 2 ) . الكامل في التاريخ : 2 / 292 ، الطبقات الكبرى : 3 / 200 .