أنّه سبحانه يصرّح بأنّه أكمل دينه ، وأتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال ؟
3 - المسلمون وصيانة الدين من التحريف :
إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ والتحريف ، وهو الخطر الّذي تعرّضت له جميع الشرائع السالفة ، قال سبحانه :
« مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ »
« 1 » .
إنّ الأُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة والنقصان ، نرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز - أعني قوله :
« وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
« 2 » - فإنّ عثمان أراد إثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي : « لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي » ، فألحقوها . « 3 »
ومع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه وصيانة دينها عن الدس والتحريف ، فتفرّقت إلى مشبّهة تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان ، إلى جبري يرى الإنسان مسيّراً لا مخيّراً ، ويصوّر بعث الأنبياء أمراً لا جدوى فيه ، إلى مرجئة لا ترى للعمل قيمة وتعطي للإيمان تمام القيمة ، إلى ناصبيّ ينصب العداء
هامش
( 1 ) . النساء : 46 .
( 2 ) . التوبة : 34 .
( 3 ) . الدر المنثور : 3 / 232 .