تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
ومرقت أُخرى ، وقسط آخرون ، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول :
« تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »
« 1 » بلى ! واللّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حَلِيَتِ الدنيا في أعينهم ، وراقهم زِبْرجها . أما والّذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة « 2 » ظالم ، ولا سغب « 3 » مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عَنْز » « 4 » . فقد أشار الإمام بكلامه هذا إلى حروبه الثلاثة مع طوائف ثلاث ، فالناكثون هم أصحاب الجمل ، الذين لم يجدوا عند الإمام إلّا الحقّ ، فطلبوا منه من المناصب ما كان فوق شأنهم وأمانتهم فاجتمعوا في مكّة تحت غطاء المطالبة بدم عثمان مع أنّهم هم المحرّضون على قتله ، وموَّلهم جماعة من بني أُميّة ، ولم يكتفوا بذلك ، وإنّما غرّوا وحرّضوا أُمّ المؤمنين عائشة ، وأركبوها على الجمل يقطعون بها الفيافي والقفار ، حتّى نزلوا البصرة ، فقتلوا من شيعة علي ومحبّيه ما استطاعوا . فلمّا لاقوا عليّاً بجيوشهم أبوا إلّا الحرب ، فدارت الدوائر على الناكثين ، فقتل رؤوس الفتنة ، وأُرسلت أُمّ المؤمنين إلى المدينة بتكريم واحترام . ولكن لم يقف الأمر على هذا الحد ، فقام ابن آكلة الأكباد ، الطليق ابن الطليق الّذي خَذَلَ عثمان ، ولم ينصره ، ثمّ انتحل دمه وطلب ثأره ، فجمع حوله
هامش
( 1 ) . القصص : 83 . ( 2 ) . الكظّة : البِطْنَة ( ما يعتري الآكل عند امتلائه بالطعام ) والمراد : استئثار الظالم بالحقوق . ( 3 ) . السغب : شدة الجوع . ( 4 ) . نهج البلاغة : الخطبة 3 .