تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الهمج والرعاع ، وتحالف مع عمرو بن العاص الّذي عزله عثمان عن ولاية مصر ، فألّب عليه كل راع رآه في البادية ، وساومه معاوية على ولاية مصر ، فقابلهم الإمام في أرض صفين ، وقد كادت الحرب تنتهي لصالح الحق والمسلمين لولا أنّهم رفعوا المصاحف على الرماح ، وانطلت الحيلة على عسكر الإمام ، وقالوا له : أجب القوم ، فحذّرهم الإمام بأنّه مكر وخداع ، والقوم ليسوا أهل قرآن وسنّة ، فطلب منهم المهلة فما أجابوه ، بل هدّدوا بإراقة دمه وقتاله إن لم يُوقف الحرب ، ولم يسترجع قائده من ساحة القتال ، حتّى أنّ الأشتر قائد القوات طلب منهم المهلة ولو بقدر فواق ناقة أو عدوة فرس ، فما وافقوه ، فاضطرّ الإمام إلى إيقاف الحرب ، وإدلاء الأمر إلى الحكمين بشرط أن لا يخرجوا عن حكم الكتاب والسنّة ، وكانت نهاية الأمر ، عزل مندوب الإمام ( أبو موسى الأشعري ) خليفة المسلمين ، ونصب عمرو بن العاص معاوية للخلافة ، كل ذلك بمكر وخداع واحتيال على أبي موسى ، فقام الحكمان ومن حولهما يشتتمان ويتسابّان . ثمّ أُولئك الذين فرضوا قبول التحكيم على علي ، ندموا على ذلك ، وطفقوا يطالبونه بنقض الميثاق قبل حكم الحكمين ، فخرجوا عن طاعة علي ، وعن جيشه ، فنزلوا حروراء ولم يرجعوا إلى الطاعة حتّى بعد ما دعاهم الإمام لإعادة الحرب على معاوية ، لما ظهر لهم كون قول حكم الحكمين على خلاف الكتاب والسنّة ، بل أصبحوا يطالبون عليّاً أن يتوب من كفره ، كما هم تابوا من كفرهم ، لأجل تحكيمه الرجال في أمر الدين ، ولم يكتفوا بذلك ، فصاروا كقطّاع الطريق يقتلون البريء ، ويسفكون الدماء ، فأوجدوا دهشة ورعباً في قلوب المسلمين ، فلم يجد الإمام بدّاً من قتالهم ، وإن كان قتالهم أمراً عظيماً ، لأنّهم كانوا أصحاب الجباه السود ، يصومون النهار ويقومون الليل ، وفي الوقت نفسه
بحوث في الملل والنحل — صفحة 191 | الشيخ جعفر السبحاني