سبحانه بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلمّا مضى عليه السلام ، تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ، ولا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده ! فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، يزول منها ما كان ، كما يزول السراب ، أو كما يتقشّع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه » . « 1 »
ورواه أبو الحسن علي بن محمّد المدائني عن عبد اللّه بن جنادة ، قال : قدمت من الحجاز أُريد العراق في أوّل إمارة علي عليه السلام ، فمررت بمكّة فاعتمرت ، ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه ، إذ نودي :
الصلاة جامعة ؛ فاجتمع الناس وخرج علي عليه السلام متقلّداً سيفه ، فشخصت الأبصار نحوه ، فحمد اللّه وصلّى على رسوله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فلمّا قبض اللّه نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم قلنا : نحن أهله وورثته ، وعترته ، وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقّنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا ، فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الإمرة لغيرنا - إلى أن قال : - وأيم اللّه ، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ويبور الدين ، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه ، فوليَ الأمر ولاة لم يألوا الناس خيراً » . « 2 »
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : قسم الكتب برقم 62 .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة : 1 / 307 ، والكلمتان متقاربتان .