نقول : إنّ ابن أبي الحديد أوّل من احتجّ بهذه الخطبة ، على أنّ نظام الحكومة بعد وفاة النبيّ هو نظام الشورى ، وتبعه البعض غفلة عن حقيقة المراد ، وذلك لأنّ ملاحظة أسلوب الكلام ، وما صدَّر به الإمام رسالته ، أعني قوله : « إنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان » تدلّ بوضوح على أنّ الإمام كان في مقام الاحتجاج بمسلَّم الخصم - أعني : معاوية - على قاعدة : « ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم » ، فإنّه خرج عن طاعة الإمام مع اعتناقه إمامة من تقدّم ، فالإمام يحتجّ عليه بأنّه بايعني الذين بايعوا الثلاثة فما وجه البغي عليّ والطاعة لهم ؟ ! ولو لم يكن في مقام الجدل وإفحام الخصم ، لما كان لذكر خلافة الخلفاء في صدر الرسالة وجه ، مع أنّ للإمام كلمات في تخطئة الشورى الّتي تمّت بها ، أو بادّعائها خلافة الخلفاء ، ومن تصفّح « نهج البلاغة » يقف عليها .
والعجب أنّ أحداً من المهاجرين والأنصار لم يستند في مأساة السقيفة ، إلى نظام الشورى ، بل استند كل من اللفيفين بأُمور لا تمت إلى هذا الأصل ، فادّعى أبو بكر أنّ المهاجرين من أقوام النبيّ وعشيرته ، واحتجّ الأنصار بأنّهم هم الذين آووا الرسول ، وضحّوا بأنفسهم ونفائسهم لحراسته وحفظه ، فانظر ما ذا ترى ! قاتل اللّه الأنانية ، وحيّا اللّه الحقيقة وحماتها .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 178
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٧٨