تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
نعم ، رجعت القدرة إلى الإمام بعد ندامتهم على التحكيم واستعدادهم لمواصلة الحرب بعد الصلح وأخذ المواثيق ، ولكن كانت الندامة في غير محلّها وندموا ولم ينفعهم الندم حيث ضاعت الفرصة الذهبية ، إذ كما أنّ من حكمه سبحانه مواصلة حرب الطغاة وقد نطق بها الذكر الحكيم ، كذلك الإيفاء بالمواثيق ، واحترام العقود والعهود من أحكام القرآن والسنّة المطهّرة . ولأجل ذلك أجاب علي عن إصرارهم على مواصلة الحرب بقوله : « ويحكم ، أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع ؟ أو ليس اللَّه تعالى قال :
« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
وقال :
« وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ » .
« 1 » ولكن القوم كانوا بعيدين عن المنطق ، قريبي القعر ، سمعوا أدلّة الإمام ولم يجيبوا عنها بشيء إلّا بتضليله والبراءة منه . وسوف نرجع إلى تحليل هذا الوجه عند البحث عن الاباضيّة . وأما الوجه الثاني : أعني كون هذا تحكيماً للرجال في دين اللَّه : وهو خطأ . إنّ الإمام وأصحابه لم يحكّموا الرجال في دين اللَّه بل حكّموا القرآن والذكر الحكيم فيما اختلفوا فيه ولكن القرآن شجرة يانعة وحجة صامتة لا تجتني ثمرته ولا يعلم مقاصده إلّا بمن ينطقه وإلى ذلك يشير الإمام في بعض خطبه : « إنّا لم نحكّم الرجال وإنّما حكّمنا القرآن ، هذا القرآن انّما هو خط
هامش
( 1 ) . وقعة صفّين : 589 . والآية 91 من سورة النحل .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 88 | الشيخ جعفر السبحاني