أبداً . أما واللَّه لقد مشيتُ في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلّا قليلًا . وقام إلى علي عليه السلام محرز بن جريش بن ضليع ، فقال : يا أمير المؤمنين : ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل ؟ فإنّي لأخاف أن يُورث ذلًا ، فقال علي عليه السلام : « أبعد أن كتبناه ننقضه ؟ إنّ هذا لا يحلّ » .
وقام فضيل بن خديج مخاطباً عليّاً لمّا كتبت الصحيفة : إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلّا قتال القوم ، فقال علي عليه السلام :
« بلى إنّ الأشتر ليرضى إذا رضيت ، وقد رضيت ورضيتم ، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلّا أن يعصى اللَّه ويتعدّى ما فيه كتابه » .
فلمّا رأى علي عليه السلام تكرّر تلك المواقف قام خطيباً ليزيل الشكوك والأوهام عن قلوب شيعته فخطب وقال : « إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق ، ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء ، حتى يُرْموا بالمناسر ، تتبعها العساكر ، وحتى يُرجَموا بالكتائب تقفوها الجلائب ، وحتى يجر ببلادهم الخميس ، يتلوه الخميس ، وحتى يدعوا الخيل في نواحي أرضهم ، وبأحناء مساربهم ومسارحهم وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج ، وحتى يلقاهم قوم صُدُق صُبُر ، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل اللَّه إلّا جداً في طاعة اللَّه ، وحرصاً على لقاء اللَّه ، ولقد كنّا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا . ما يزيدنا ذلك إلّا إيماناً وتسليماً ، ومُضيّاً على اللقم وصبراً على مضَض الألم ، وجداً في جهاد العدو ، ولقد كان
بحوث في الملل والنحل — صفحة 80
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٨٠