يتعمّقون « 1 » في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية » . « 2 »
تحليل لكارثة التحكيم :
إنّ هناك أسئلة تطرح نفسها ونحن نجيب عنها مستندين إلى متون الروايات الواردة حولها :
[ الأوّل : لما ذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر ؟ ]
الأوّل : لما ذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر وزعموا أنّ رفع المصاحف على رؤوس الأسنّة لأجل اللجوء إلى القرآن ، واجراء حكمه بين الطرفين ، مع أنّ عليّاً وكثيراً من أصحابه نبّههم على أنّ ذلك خدعة ومكيدة . والجواب : انّ الذي حملهم على قبول التحكيم في بادئ ذي بدء أمران :
1 - إنّ الخسارة البشرية الفادحة التي ألحقتها الحرب بالعراقيين ( مع أنّ خسائر الشاميين كانت أكثر ) كانت عاملًا نفسيّاً مهمّاً لقبول التحكيم ودافعاً لهم إليه وفي كلام الإمام علي عليه السلام إشارة إلى ذلك .
هامش
( 1 ) . المراد من التعمق كثرة السؤال والاعتراض على الأوامر الصادرة من القيادة ، ويؤيّد ذلك الحديث المشهور : سأل رجل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وقال : رجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء ، ولا يدري أذكية هي أم غير ذكية ؟ أيصلّي فيها ؟ فقال : « نعم ليس عليكم المسألة . انّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول : إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ، انّ الدين أوسع من ذلك » . ( من لا يحضر الفقيه : 1 / 167 ، الباب 39 ، الحديث 38 ) .
ويظهر ذلك ممّا روي عن علي من قصار الكلمات قال : « الكفر على أربع دعائم : على التعمّق ، والتنازع ، والزيغ ، والشقاق . فمن تعمّق لم ينب إلى الحق ، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق » . نهج البلاغة : قسم الحكم 31 . فمعنى التعمّق هنا لا يتنافى مع ما سنذكره من أنّ البساطة والسذاجة والظاهرية كانت سمة من سماتهم .
( 2 ) . السيرة النبوية : 4 / 496 ؛ الكامل لابن الأثير : 2 / 184 . ورواه البخاري في باب « المؤلفة قلوبهم على وجه التفصيل ، فمن أراد فليرجع إلى صحيحه » .