نعم كون القلب مركزاً للإيمان وخروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً للإيمان ، لا يعني أنّ التصديق القلبي يكفي في نجاة الإنسان في الحياة الأُخروية ، بل يعني أنّه يكفي في خروج الإنسان عن زمرة الكافرين - الذين لهم خصائص وأحكام - التصديق القلبي ، فيحرم دمه وماله وتحلّ ذبيحته وتصحّ مناكحته إلى غير ذلك من الأحكام الّتي تترتّب على التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق ، وأمّا كون ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا ، فإنّ للنجاة في الحياة الأُخروية شرائط أُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم والسنّة الكريمة .
وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني واستغنوا عن العمل ، وبعبارة أُخرى قدَّموا الإيمان وأخَّروا العمل ، فهذه الطائفة من أكثر الطوائف خطراً على الإسلام وأهله ، لأنّهم بإذاعة هذا التفكير بين الشباب ، يدعونهم إلى الإباحية والتجرّد عن الأخلاق والمثل الإسلامية ، ويعتقدون أنّ الوعيد خاص بالكفّار دون المؤمنين ، فالجحيم ونارها ولهيبها لهم دون المسلمين ، ومعنى هذا أنّه يكفي في النجاة الإيمان المجرّد عن العمل ، وأيّ خطر أعظم من ذلك ؟
وعلى ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد اللَّه بن عمر ، قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا اللَّه وأنّ محمّداً رسول اللَّه ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان « 1 » .
هامش
( 1 ) . صحيح البخاري : 1 / 14 ، كتاب الإيمان .