تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
سبحانه أقسم بنفسه انّهم لا يؤمنون إلّا بتحكيم النبي والتسليم بحكمه ، وعدم وجدان الحرج في قضائه ، والتحكيم غير التصديق ، بل هو عمل خارجي « 1 » . يلاحظ عليه : أنّ الآية وردت في شأن المنافقين ، فإنّهم كانوا يتركون النبي ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار ، وهم مع ذلك يدّعون الإيمان بالنبي والإذعان والتسليم له - صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - فنزلت الآية بأنّه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتى يُرى أثر الإيمان في حياتهم ، وهو تحكيم النبي ، في المرافعات والمنازعات والتسليم المحض أمام قضائه ، وعدم إحساسهم بالحرج ، وهذا هو الظاهر من الآية ، لا أنّ التحكيم بما أنّه عمل ، جزء من الإيمان ، وهذا نظير ما إذا ادّعى إنسان حبّاً لرجل فيقال له : إن كنت صادقاً فيجب أن يرى أثر الحب في حياتك ، فاعمل له كذا وكذا . 3 -
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
« 2 » بادّعاء أنّ الفاسق بفسقه وإصراره عليه ، آيس من روح اللَّه فكان كافراً . والجواب : انّ المدعى ممنوع : فإنّ فسّاق المؤمنين ليسوا بآيسين بل يرجون رحمة ربّهم بالتوبة أو الشفاعة ، أضف إليه : المراد من « الروح » هذا ، الفرج بعد الشدّة ، ومثل هذا اليأس من الكبائر الموبقة ، ولكنّه لا يوجب كفراً ، وذلك لأنّ النهي في الآية نهي تشريعي ، ومعناه أنّ اليأس من روح اللَّه شأن الكافر دون المؤمن ، نظير قوله سبحانه :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ
هامش
( 1 ) . الفصل : 3 / 195 . ( 2 ) . يوسف : 87 .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 455 | الشيخ جعفر السبحاني