ب - إنّ الكتّاب الجدد لمّا واجهوا أنّ التحكيم سيّئة من سيّئات المحكّمة وأنّهم هم المسؤولون عن عواقبه الوبيلة ، عمدوا إلى الروايات الشاذّة ومخالقات أعداء الإمام . قالوا : إنّ عليّاً ظلّ يكاتب معاوية سرّاً من دون المسلمين ، فكتب إلى معاوية : من عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية ، فكتب إليه معاوية : لو أعلم أنّك أمير المؤمنين لم أُقاتلك ، فامح اسم أمير المؤمنين ، ففعل علي ذلك فبلغ ذلك المسلمين ، فقالوا له : يا علي ما حملك أن تخلع نفسك من اسم سمّاك به المسلمون ؟ ألست أمير المؤمنين ومعاوية أمير المخالفين ؟ فتب عمّا صنعت . . . ، ثمّ إنّهم يذكرون أنّه بعد أن تاب عدل عن توبته وأمضى الحكومة أي التحكيم . « 1 »
إنّ ما ذكره من المكاتبة السرّية ليس له مسحة من الحقّ ولا لمسة من الصدق ولا يوجد في كتب القصاصين فضلًا عن التواريخ والسير ، وما ذكره ليس إلّا قصة التحكيم الّذي شهد عليه الطرفان على وجه التفصيل ، والإمام امتنع عن محو إمرة المؤمنين عن نفسه ، وقد أمضى مليّاً من النهار ، وهو يدفع ذلك الاقتراح غير أنّ المحكّمة والطابور الخامس الذين فرضوا على عليّ نفس التحكيم ، فرضوا عليه صيغته أيضاً ، ولم يكن شيئاً خفيّاً من الناس بل كان على مشهد منهم ، وقد ذكر الإمام ما جرى على النبي الأكرم في صلح الحديبية وأنّه سيبتلى بما ابتلي به رسول اللَّه ، وأمّا قصة التوبة فقد مضى الكلام فيها .
هامش
( 1 ) . الإمام جابر بن زيد : 112 نقلًا عن القلهاتي : في الكشف والبيان : 2 / 237 .