علي وعلى رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغي قبولها ، أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري ومالك بن أنس حسب ما أورده المبرّد في كامله وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بل أستطيع أن أزعم أنّنا اليوم وفي هذا العصر وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرناً ونصف - عندما نقرأ أخبارها نشعر بالأسف والحسرة ، لأنّ تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثريّة جيش عليّ حتى اضطرّ للاستجابة لها ، رغم معرفته القصد منها وتقديره لنتائجها وعلمه علم اليقين أنّ القصد من تلك العملية لم يكن مراعاة للمصلحة العامّة ولا نظراً لخير الأُمّة ، ولا تحكّماً للكتاب في شيء جهل فيه حكم الكتاب » . « 1 »
وقال أيضاً : « واختلف أصحاب علي اختلافاً شديداً بين موافق على الطلب ، ومعارض له ، واضطرّ الإمام إلى الموافقة نزولًا عند رأي الأغلبية وإن كان رأيه هو خلاف ذلك » . « 2 »
نحن نسأل الكاتبين عن مسألة التحكيم المفروض على عليّ من جانب جيشه ، فقد اعترفا بأنّ الإمام قبله بعد ما عرفه ، دفعاً للتفرقة والتخرّق ، بل للتناحر وانّه لولا قبوله لثاروا على الإمام وقضوا على حياته ، وعندئذٍ يصبح ابن أبي سفيان مالكاً لأزمّة الأُمور ومتسنّماً على عرش الخلافة من دون منازع ، ويصير الطريق لبسط سلطته وسيطرته مُعَبَّداً ومذلّلًا بأيدي خصمائه وأعدائه - أعني : الّذين قبلوا التحكيم وفرضوه على إمامه .
هامش
( 1 ) . الأباضية بين الفرق الإسلامية : 1 / 190 - 191 .
( 2 ) . الأباضية بين الفرق الإسلامية : 2 / 166 .