تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
مصرّين انّ الخلافة الشرعية حقّ لا يتطرّق إليه الشكّ ، ولا يجوز فيها الرجوع ولا تقبل فيها المساومة . وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه ، والماكرين من عدوّه ، وأن يشكّ في نفسه والحقّ الذي بيده ، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون ، ويساوي بينه وبين أحد عمّاله ، في قضية أخذ فيها عهداً من الأُمّة وأخذت منه فيها موثقاً وعهداً ، ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم اللَّه . حين فعل عليّ ذلك ، تداعى أُولئك الذين لم يرتضوا التحكيم وحذّروا عليّاً من قبوله ، وهم يرون أنّ معاوية باغ لا حقّ له ، وأنّ بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ، ورضاؤه بالتحكيم جبراً ، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة ، وليس لأحد عليهم ميثاق ، تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش عليّ ، وركنوا إلى موقع يسمّى حروراء ، فانعزلوا فيه ينتظرون تجدّد الحوادث ، واتّجاه الأُمّة في قضية الخلافة ، وقد جرت الأُمور بأسرع ممّا يتوقّع لها ، فما بلغ الموعد الذي حدّده الطرفان لانتهاء الهدنة ، حتى اجتمع الناس وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي ، عزلَ عليّ عن الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاءُون . كان هؤلاء المحايدون ينظرون إلى معاوية نظرتهم إلى باغٍ ، يحاول أن يفرض نفسه بالمكر والحيلة ، ولذلك فهم لا يقيمون أيّ وزن لدعوى عزله ، فهو لم يتولّ أمر الخلافة إلى ذلك الحين ، لا بالإكراه ، ولا بالشورى ، فلا معنى لعزله من منصب ليس هو فيه ، كما لا يقيمون أيّ وزن لتولية عمرو بن العاص