إنّ ما ذكره لا تدعمه سيرة الأباضية في القرون الأُولى ويكفي في ذلك ما ذكره المؤرّخون في حق أبي يحيى عبد اللّه بن يحيى طالب الحق ، قالوا : إنّه كتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة وإلى غيره من الأباضية بالبصرة يشاورهم بالخروج ، فكتبوا إليه : إن استطعت ألّا تقيم إلّا يوماً واحداً فافعل ، فأشخص إليه عبيدةُ بن مسلم أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الأباضية فقدموا عليه حضرموت ، فحثّوه على الخروج ، وأتوه بكتب أصحابه ، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار الامارة إلى آخر ما سيوافيك بيانه من حروبه مع المروانيين وتسلّطه على مكّة والمدينة .
وأظنّ انّ ما يكتبه علي يحيى معمّر في هذا الكتاب وفي كتاب « الأباضية في موكب التاريخ » دعايات وشعارات لصالح التقارب بين الأباضية وسائر الفرق خصوصاً أهل السنّة ، ولأجل ذلك يريد أن يطرح أصول الأباضية بصورة خفيفة حتى يتجاوب مع شعور أهل السنّة ، تلك الأكثرية الساحقة ، وأوضح دليل على أنّهم يرون الخروج واجباً مع القدرة والمنعة بلا اكتراث ، إنّهم يوالون المحكّمة الأُولى ويرون أنفسهم اخلافهم والسائرين على دربهم ، وهم قد خرجوا على عليٍّ بزعم أنّه خرج بالتحكيم عن سواء السبيل .
وأظنّ انّ هذا الأصل أصل لامع في عقيدة الخوارج والأباضية بشرطها وشروطها ، وأنّ التخفيض عن قوّة هذا الأصل دعاية بحتة .
والعجب أنّه يعترف بهذا الأصل في موضع آخر من كتابه ويقول : إنّ الثورة على الظلم والفساد والرشوة وما يتبع ذلك من البلايا والمحن ، إنّما هو
بحوث في الملل والنحل — صفحة 298
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٩٨