تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
عثمان ، لأنّهم أدركوا أنّ عمل الخليفة وعمّاله يفارق مبادئ الإسلام ، وتحمّلوا التسيير والتبعيد عن الوطن ، ولكن لمّا واجهوا عليّاً ووجدوا فيه ضالّتهم المنشودة من أنّه القائد الإلهي الذي يعمل لأجل اللَّه ، سلّموا إليه مقاليد أُمورهم . والنزعة الثانية : كانت نابعة عن روح مكابرة تريد فرض ما تحبّ وترى ، سواء أكان حقّاً أم باطلًا ، ونذكر هنا نموذجاً للقسمين : قال ابن مزاحم : قيل لعلي لمّا كتبت الصحيفة : إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلّا قتال القوم ، فقال علي : بلى إنّ الأشتر ليرضى إِذا رَضيتُ ، وقد رضيتُ ورضيتُم ، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ، ولا التبديل بعد الإقرار ، إلّا أن يُعْصى اللَّه ويتعدّى ما في كتابه . « 1 » وأي تسليم أعلى وأنبل من تسليم الأشتر لأمر القيادة ، فقد كان النصر حليفاً له ولم يبق بينه وبين تحقّقه إلّا عدوة الفرس ، أو قاب قوسين أو أدنى ، فلمّا وقف على أنّ مواصلة الحرب ولو فترة قليلة سيؤدّي إلى القضاء على حياة الإمام ، تراجع عن ساحة القتال ، ورجع طائعاً مذعناً لما أمره به الإمام عليه السلام وخاطب أُولئك الذين وقفوا بوجه الإمام ، وقال : خُدِعتم واللَّه فانخدعتم ، ودُعِيْتُم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباة السود كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زهادة في الدنيا ، وشوقاً إلى لقاء اللَّه ، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت ، ألا فقبحاً يا أشباه النِّيب الجلّالة ، ما أنتم براءين بعدها عزّاً أبداً ، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون . « 2 »
هامش
( 1 ) . وقعة صفّين : 598 . ( 2 ) . وقعة صفّين : 563 .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 161 | الشيخ جعفر السبحاني