السؤال والنقاش ولكن بأُسلوب بنّاء ، لغاية الوصول إلى الحق ، وهذا ما يدعو إليه الإسلام خصوصاً فيما إذا كان القائد إنساناً غير معصوم ، بل نجد ذلك في عصر المعصوم أيضاً ، روى أصحاب السيرة لمّا توفّي عبد اللّه ولد النبي بكى عليه وجرت دموعه على خدّيه ، فاستظهر بعض الصحابة أنّ عمل النبي هذا ينافي ما أوصى به من عدم البكاء على الميّت ، فأجابه النبي وأرشده إلى الحق وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ، ولكنّي نهيت عن صوتين أحمقين وآخرين : صوت عند مصيبة ، وخمش وجوه ، وشق جيوب ، ورنة شيطان ، وصوت عند نغمة لهو ، وهذه رحمة ومن لا يَرْحَم لا يُرْحَم » . « 1 »
نعم إذا كانت الغاية مجرّد إبداء الرأي ، وحبّ الاعتراض ، فهذا ما يعدّه الكتاب والسنّة من المجادلة بالباطل
« ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ »
« 2 » ، وقال سبحانه :
« وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ » .
« 3 »
نحن نرى تلكما النزعتين متجسّدتين في الأشتر والملتفّين حوله من الصلحاء من جهة ، وحرقوص وزملائه من جهة أُخرى ، وإن اشتركوا في حقبة من الزمن في صبغة الاعتراض .
فالنزعة الأُولى : كانت نابعة عن روح صادقة لاعن هوى نفسي ، ولأجل ذلك بقوا على اعتراضهم ومخالفتهم لعامل الخليفة إلى أن قُتِلَ
هامش
( 1 ) . السيرة الحلبية : 3 / 395 .
( 2 ) . غافر : 4 .
( 3 ) . الكهف : 56 .