فقد قال تعالى :
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 1 » قلنا : معنى الآية غير ما قدّرت ولو قدّرتها كما نقدّر لعلمت أن لا حجّة فيها لك ، لأنّه تعالى يقول :
« وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
- إلى قوله -
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 2 » ، فإنّما هذا في الكفّار حيث تطيّروا بنبيّ اللَّه عليه السلام وكانوا إذا أتاهم الخصب يقولون هذا من عند اللَّه وإذا أتاهم الجدب يقولون : هذا من عندك ، كما قال تعالى :
« وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
- إلى قوله -
لا يَعْلَمُونَ »
« 3 » ، فبيّن اللَّه تعالى أنّ ذلك كلّه - يعني الخصب والجدب - من عنده ، إلّا أنّه لم يقل : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندنا على ما تذكره المجبّرة ، وقد دلّ اللَّه على بطلان قولهم :
« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ »
« 4 » .
وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ اللَّه خلق أكثر العباد للنّار ، وخلقهم أشقياء بلا ذنب ولا جرم ، وغضب عليهم وهو حليم من غير أن يغضبوه ، وخذلهم من قبل أن يعصوه ، وأضلّهم عن الطريق الواضح من غير أن خالفوه ، وقالت العدليّة : خلق اللَّه الخلق لطاعته ، ولم يخلقهم لمخالفته ، وأوضح الدلالة والرسل لصلاح الجماعة ، ولم يضلّ عن دينه وسبيله .
وكذا أخبر بقوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
« 5 » ،
هامش
( 1 ) . النساء : 78 .
( 2 ) . النساء : 78 .
( 3 ) . الأعراف : 131 .
( 4 ) . النساء : 79 .
( 5 ) . الذاريات : 56 .