العلوم الثلاثة عاقلا عليها جازاه بثواب غير موصوف بهذه الدلالات الثلاثة ، كذلك قال رسول اللّه ( صلعم ) عن قوله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، اي جزاء علمه الظاهري السمعي الاسلامي ، ولا خطر على قلب بشر اي جزاء علمه الحقيقي القلبي ، وبهذا الثواب لكل من وصل إلى هذه العلوم الثلاثة التي امر اللّه تعالى بالوقوف على جميعها حين قال :
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
والشكر باللغة الفارسية يؤكد ما قلناه ، فلذلك وصف اللّه نفسه بهذه الصفات الثلاثة دون سائر ما يوجد من سائر صفات البشر مثل الشام والذائق واللامس ، فقال إنه سميع بصير عالم ، فلذلك أضاف وحي رسله إلى هذه الجوارح الثلاثة دون غيرها ، وامّا الذي أضافه إلى القلب ، فقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
وأمّا الذي أضافه إلى السمع فقوله :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
وامّا الذي اضافه إلى البصر فقوله :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
وإلى هذه الأسماء الثلاثة نتيجة قوله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
.
وممّا يؤكد قولنا قول النبي ( صلعم ) : المريض مالك ثلث ماله ، وقال : داوا مرضاكم بالصدقة ، فالمريض الذي لا يملك الّا ثلث ماله في الباطن هو المريض الروحاني الذي وقف على العلم السمعي دون العلمين الآخرين ، والمريض الذي يحتاج إلى مداواته بالصدقة ، هو الذي ابلى من غلبته قليلا ، فوقف على العلم الثاني الذي هو العلم البصري فيحتاج إلى أداء الصدقة التي امر اللّه بها في قوله للمطيعين ، إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يديه نجواكم صدقة ، وقوله : خذ من أموالهم صدقة حتى يتهيأ له الوقوف على العلم الثالث الذي هو علم الحقائق القلبي ، فيكون صحيحا مالكا على جميع ماله ، اي على جميع العلوم الثلاثة ، فالسيف إذا سببا لعلم الظاهر السمعي الاسلامي ، والعهد سببا لعلم الممتزج