الجسمانية ، وان العيس في اللغة هي الإبل ، والإبل من الدرجات الطبيعية لا من الدرجات النفسانية ، وقد ذكر اللّه في هذه الآية اسمين : اسم لصورته الروحانية ، واسم لصورته الجسمانية ، ثم لم يوقع القتل على أحد الاسمين في قوله : وما قتلوه وما صلبوه ، ولم يقل وما قتلوهما وما صلبوهما ، ثم قال : ولكن شبه لهم يعني ظنوا ان المسيح هو هذا الجسد الكثيف المصلوب ، فاشتبه الامر عليهم ، وان الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم الّا اتباع الظن يعني ما يعلمون ان صورته الروحانية قد وصلت إلى معدنها من العالم الروحاني ، وما قتلوه يقينا ، ففي ظاهر هذا اللفظ يصح انهم ظفروا بقالب المسيح فصلبوه ، لأنه يدل انهم ظفروا ببعض منه فصلبوه ، وهو الصورة الجسمانية ، ولم يظفروا بالبعض الآخر ففاتهم وهو الصورة الروحانية ، وذلك ان معنى قوله وما قتلوه وبسطا بين الشك واليقين ، بل رفعه اللّه إليه ، اي رفع اللّه صورته الروحانية إلى الجنة في جوار الأصلين ، فكان اللّه عزيز بمنعه اليهود ان يظفروا بعيسى ، وهو حي حكيم برفع صورته الروحانية إلى السماء ، وممّا يزيده تأكيدا ان اللّه تعالى قال :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
. يعني مميت صورته الجسمانية قبل وقوع القتل عليها ، ووجود الألم ، ورافعك إليّ يعني الصورة الروحانية ، فلعلّ مدعي يدعي ان اللّه رفع المسيح من صورته الجسمانية إلى السماء ؟ قلنا له : ان اجماع أعداء عيسى الذين هم اليهود وأولياءه الذين هم النصارى على قتله ، ثم اخبر اللّه انه أماته « 1 » في قوله :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
، وإقرار عيسى بذلك حيث يقول اللّه حكاية عنه :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
يدل على أن جثة عيسى ليست في السماء
هامش
( 1 ) في نسخة م وردت توفاه .