تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
الانس بالفعل ، فقد صحّ بما قلناه ان جميع القوى الروحانية التي هي النامية والحسيّة والناطقة والعاقلة ، والقدسيّة والعالمة مجموعة في الصورة الروحانية المهيأة لقبول آثار ما في العالم العلوي ، وهي الانسان بالفعل الذي من اجله خلقت الدنيا والآخرة ، وكذلك قال النبي ( صلعم ) ان مؤمنا اعزّ على اللّه من جميع ما في السماوات والأرض وما بينهما . فإن قال قائل كيف يعلم اجتماع جميع الأشياء الجسمانية في الانس بالقوة حتى يصح اجتماع جميع القوى الروحانية في الانس بالفعل ؟ قلنا له : لا بد لهذا الجواب من مقدمات ، وذلك ان المعادن هي أسفل المتولدات ، والنبات أعلى منها بما استفاده من القوة النامية ، فآثار المعادن موجودة في النبات وهي نواة ولا يوجد شيء في المعادن من قوى المتولدات التي فوقها ، فكذلك لما كانت البهائم أفضل من النبات بما استفادت من الروح الحسيّة ، وجد فيها آثار دونها من المواليد ، وذلك ان عظامها شبيهة بالمعادن ، وقوتها النامية شبيهة بقوت النبات ، وتفردت بالروح الحسيّة دونها ، وكذلك الانس بالقوة أفضل من البهائم والنبات والمعادن بما استفادت من القوة الناطقة ، فلذلك وجد فيه آثار من دونه ، لان عظامه شبيهة بالمعادن ، وأسنانه شبيهة باللؤلؤ ، وأظفاره شبيهة بالمرمر ، وعروقه شبيهة بالأنهار ودماءه شبيهة بالمياه ، وبكاه شبيه بعيون المياه ، وشعره شبيه بالنبات ، وفيه القوة النامية ، فلذلك يزيد شعره وجسده وأظفاره ، وكذلك استفادت الروح الحسيّة ، فبتلك يسمع ويبصر ويتحرك ويشم ويذوق ويلمس ويفعل ما تفعله البهائم من المناكحة وغيره ، ثم من بعد ذلك تفرّد بالروح الناطقة ، فبذلك قهر الكل وجمعهم تحت امره ونهيه وتدبيره ، حتى صاد الوحوش في الفيافي واخرج الحيتان من البحار ، وأنزل الطيور من الجو ، وسخّر البهائم في الأرض ، فهو يعمل بهذا الأثر المسمّى الروح الناطقة الذي استفاده من العالم الروحاني ، اعمالا لا تطيق الأفلاك والأمهات بكليتها ان تعمل مثلها ، فأخذتها من الأفلاك بكليتها ثم أخرجت الزرع من الأرض ، بعد ان استعانت بالأمهات الأربع والزرع قبل ان يحصد لا تأكله الّا البهائم ، ولم يتهيأ للافلاك والأمهات ان تجعل ذلك الزرع عند الانسان بالقوة ، بل قام الانسان بالقوة بذلك ، فسخّر الأرض وقت الزراعة ، وسخّر الماء باجرائه عليها ، وسخّر الهواء وقت الزرع ، وسخّر الماء والمعادن