وما ليس في الأصول طبيعي فهو فيها عرضي ، والذي هو في الشيء عرضي فهو في شيء آخر جوهري ، فالنمو والحس والطعوم والأراييح والاصباغ والألوان آثار في المواليد ، وهي في موضع آخر ، لانّا لا نرى ذلك في الأمهات ، ولا في الأفلاك ، فكلها كلّا إذا اضطرارا للتأثير عليه ، ورأينا بعد ذلك في هذه المواليد حياة ونطقا وحسّا وعقلا وتميزا وعلما ومعرفة وشمّا وذوقا وسمعا وبصرا ، وقد يفتح لكل ذي عقل ان الأمهات والأفلاك عادمة لهذا ، فالحياة والنطق والحس والعقل إذا آثارا في المواليد فلها إذا جوهر هي له آثار ، وذلك هو الجوهر الحق ، وهو الذي لا نهاية له في أوهامنا ، وهو الذي ارتفع عن صفاتنا ، وهو الذي نصير إليه ، وهو الذي وعدنا ، وهو الذي وصفه اللّه ورسوله ، وان هذه الاصباغ والأراييح والنمو والحس والحركة والحياة والنطق والعقل والعلم مجموعة فيه ، وهو الجنة التي وعد بها المتقون في العالم الروحاني ، والعلة الأخرى وهي انه لمّا اجتمعت الأمة على أن الناس ينشرون مع قوالبهم التي هي في الدنيا ، علمنا بذلك ان القوة النامية والأرواح الحسيّة التي قامت للأرواح الناطقة مقام القوالب ، لا تفارق الصورة التامة الذين هم المثابون ، ولا الصور الناقصة الذين هم المعاقبون ، والعلة الثانية وهي انّا لمّا أثبتنا ان القوة النامية التي تقبل الحسيّة ، والقوة الحسيّة هي التي تقبل القوة الناطقة ، وثبت عندنا وعند خصيمنا ان القوة الناطقة لا تزايل المثابين الذين هم أهل الجنة ، ولا تفارقهم صحّ بذلك ان النامية والحسيّة لا يفارقونهم أيضا إذا كان بزوالهما عنهم زوال الناطقة ، وبزوال الناطقة زوال العاقلة ، وبزوال العاقلة زوال القدسية ، وبزوال القدسية زوال العالمة ، وبزوالهم جميعا تتلاشى الصور الروحانية ، وفي تلاشي الصور الروحانية بطلان الثواب والعقاب جميعا ، وفي بطلانهم للوعد والوعيد ، وفي بطلان الوعد والوعيد الامر والنهي ، وفي بطلانهما بطلان الرسل لثبات مذهب الدهريّة ، والعلة الرابعة وهي انه لمّا اجتمع في الانس بالقوة آثار جميع الجسمانيين الذين تقدموه في المواليد والأصول ، ثبت عندنا انه لا بد ان تجتمع بالانس بالفعل آثار جميع القوى الروحانية التي تقدمته ، ولو جاز الّا ان تجتمع بعض القوى الروحانية في الانس بالفعل ، جاز الّا تجتمع بعض القوى الجسمانية في الانس بالقوة ، فلمّا لم يجري باتفاق خصمائنا الّا اجتماع بعض القوى الروحانية من
الإيضاح — صفحة 63
مساهمون: ابو فراس
ص٦٣