والملائكة صفّا يعني الملائكة الذين يستمدون من النفخة الثانية المادة التي قدرها اللّه تعالى باظهارها من القائم ، وممّا يؤكد ما قلناه قول الحكيم الصادق أعلى اللّه درجته في كتاب « المحصول » حيث فسر قوله تعالى
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
يعني كل صنف من الملائكة بمعزل على حدة وقت النفخة الثانية كما كانوا في هذا العالم السفلي على مراتب ، كذلك يكون النشور صنفا منهم رسلا ، وصنفا أسسا ، وصنفا أئمة ، وصنفا لواحقا ، وصنفا أجنحة ، وصنفا مستجيبين ، وان كل من فارق هذا العالم يكون قراره في عالم النفس وكل واحد يستقر عند صاحبه ، فيكون اجتماع الرسل في جوار النفس وعندها ، واجتماع الأسس والأئمة عند رسل أدوارهم ، واجتماع اللواحق عند امام زمانهم ، واجتماع الأجنحة عند لاحق جزيرتهم ، واجتماع المستجيبين عند جناحهم ، وكل صنف منهم صنّف على حدة ، وامام الجميع القائم سلام اللّه على ذكره .
وقال الحكيم الفاضل أيضا في كتاب « المحصول » : لو كانت الملائكة على هذه الحال التي هي ولم تستمد من حيث كان كونها منه ، لم تكن تظهر ، لكن ظهورها وإيجادها النفخ بها معلوم معدود ، فعند بلوغها اجلها تظهر كما تظهر الصورة المركبة في الولادة إذا تمّ الاجل المقدر لها ، فدلّت هذه الشهادة ، على أن الحكيم الصادق أعلى اللّه درجته ، جعل الملائكة بالعقل من الصور التي بعد النفخة الثانية مقابل اللحم من الصورة المركبة ، وإقامة الصورة المركبة بعد الولادة مقام الصورة الروحانية التامة بعد النفخة ، ثم نرجع إلى ما كنا فيه ، فنقول : ان الدرجات الثلاثة التي هي المعادن والنبات والحيوانات الخرس ، لمّا كانت طبيعية جبرية كذلك كان وصولها إلى درجة البشر على جهة الجبر والإيلام ، فكما ان الانس بالقوة والجن والملائكة نفسانيون اختياريون كذلك كان وصولهم إلى الدرجة الانسية بالفعل اختياريّا ، وكما أن الانس بالفعل على جهة الاختيار والتنعيم « 1 » ، الّا ان انتقال الانس بالقوة ممتزج من بينهم ، لأنهم في آخر درجة من جهة ، وفي أولها من جهة .
هامش
( 1 ) سقطت في نسخة م .