ثم إن القوة النامية المؤثرة في الطرف الأعلى من المعادن صارت روحا للطرف الأسفل من النبات والحشيش ، وواسطة الحبوب ، وطرفه الاعلى هو الأشجار الفاسدة في روحه النامية والقوة الحسية ، فصارت لها زامّة فمن هاهنا قال الحكيم الصادق في كتاب « المحصول » ان خشب الخلق إذا ما انشق نصفين في وقت رطوبته أيام الربيع ، ووضع بعضه من بعض على بعد شبر ، وخليناه أياما ، ينضم أحدهما إلى الآخر ، فلو لا ان القوة الحسيّة قد أثرت فيه ، فلا معنى إذا لحركته ، ومما يشبه هذا ما ذكره أيضا « محمد ابن زكريا الرازي » في كتاب « الخواص » انه سار على الساحل فرأى شيئا ينبت مثل الصدف ، وفي جوفه حيوانة تشبه الديدان ، وممّا يزيد قولنا تأكيدا تولد البعوض من الأشجار الشيم ، والخلف والفرصاد ، وتولد الذباب من المروج والغياض ، وتولد العقارب من البازروج الممضوغ ، وذلك ان البازروج إذا مضغ في تموز ، ووضع تحت اللبة أو الأجرة أياما تولّدت منه العقارب ، وكذلك تولد الديدان في التفاح والمشمش والسفرجل وسائر الفواكه ، وكذلك تولد بعض الحيّات والضفادع في الطحالب ، ويولد السوس من الحبوب ، ويولد دود القز من ورق الفرصاد ، ثم ينتقل من الدودية إلى الطيورية « 1 » ، وتولد الطيور من العدس ، وكذلك إذا نظرنا في أمور الهوام والحشرات والخنافس والجعلان وما أشبه ذلك ، وإذا فتشنا عن حقائقها في كتب الحكمة والطب وجدنا تولدها وأبا لها من النبات والأشجار ففي ذلك أعظم الدلائل على أن القوة الحسيّة قد اثرت في بعض النبات كتأثير القوة النامية في بعض المعادن ، فصوّرت النبات من الطبائع الأربع ، وروحه من القوة النامية .
ثم إن القوة الحسيّة المؤثرة في الطرف الأعلى من النبات صارت روحا للطرف الأسفل من الحيوان الأخرس ، وصورة الحيوان الأخرس من الطبائع الأربع ، والقوة النامية ، وروحه الحسيّة ، لان بالروح يتبين الشيء من خلافه وضده ، وبها يظهر شرفه على ما دونه ، كما أن فضل النبات على المعادن لم يتبين الّا بروحه النامية ، وفضل الحيوان الأخرس على النبات لم يظهر الّا بروحه الناطقة ، والطرف السفلي من الحيوان الأخرس ، وهي
هامش
( 1 ) وردت في نسخة س الطائرية .