وطاقته فيصيرون انسانا بالفعل ، ويصلون إلى مراتب أهل الجنة فيتنعمون بما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فثبت بما بيّناه ان النفخة الأولى تكون عند انقضاء كل دور ، ولكي يصل كل مؤمن صار في ذلك الدور جنيّا بالفعل إلى مرتبة الملائكة بالفعل ، والنفخة الثانية تكون عند انقضاء الكور العظيم الذي هو مجمع دور الرسل ، وعند هذه النفخة يصير كل مؤمن في ذلك الكور ملكا بالفعل ، وانسانا بالفعل ، فيدخل الجنة بغير حساب ، كذلك اثر النفخ في رؤوس الاكوار دون غيرهم بدلالة قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
وقوله أيضا :
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا ، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ
فالنفخ هو الاقرار الثاني ، ويكون عند انتهاء الدور ، وفي الكور الماضي ابتداء الكور المستقبل ، ولا يتهيأ لمن دونهما من الجسمانيين قبول النفخ بعجزهم عن النهي ، لقبوله ، وفيما هو مذكور في كتاب « البرهان » عن كيفية هذا النفخ غنى عن اعادته .
وان كان كل واحد من الخلفاء الستة في دور القائم للمهدي الذي هو خليفة القائم مقام درجة من الدرجات الستة للصورة الجسمانية .
فان قال قائل لما قلت إن النفخة اثنتان مع اقرار كتمان أحدهما سبع مرات في آخر كل دور مرة واحدة ؟ قلنا : وان كل واحد من الانس بالقوة لا تجري عليه النفخة الّا مرة واحدة عند نسخ الشريعة الأولى وتجديد شريعة الناسخ لها بواسطة الوحي ، فلذلك قلنا إن النفخة اثنتان : أحدهما عند ولادته الروحانية بقالبه في العالم الجسماني ، والثاني عند بروزه من البرزخ بصورته اللطيفة ، ووصوله إلى أعلى الفلك المستقيم معدن الملائكة ، ومثال ذلك ان الموت واحد ، والنفخة الأولى واحدة ، والنفخة الثانية واحدة ، وانّما قلنا إن الموت واحد ، لان كل واحد من الاحياء الجسمانية لا يذوقه الّا مرة واحدة ، وكذلك قال تعالى :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
. وكذلك الجن بالفعل الذي لا تجري عليهم النفخة الأولى ، الّا مرة واحدة