لقد سبق لنا بما قد بيناه : ان البشر واسطة بين البهائم وما دونها ، وبين الملائكة وما دونها ، لذلك قيل في حده انه حيّا ناطقا ميتا لأنه لو قيل إنه حيّا ميتا لكان كالبهائم .
ولو قيل إنه ناطقا لكان كالملائكة بالفعل ، فقد تبين بالوسط طرفاه ، ولولا ان طرفه الاعلى متنقلا من حاله لما كان مكلفا ، ولما ثبت في قوله تعالى :
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا
وان البشر مكلفون وقد صحّ انهم لم يصيروا مكلفين ، الّا لغرض . والغرض الذي لأجله كلفوا الثواب الذي إذا وصلوا إليه رفع عنهم التكاليف .
فإذا سألنا سائل وقال : كيف يكون حال انتقال الجن إلى درجة الملائكة ؟ قلنا له :
ان مثل الجن بالفعل كمثل الفرخ الذي يريد الشجرة من بعيد فيشتاق إلى الطيران ، والوقوع على رأسها ، فلا يطيق ذلك في تلك الحال ، إلى أن يتغذى بمن يولد منه ، إلى أن يتهيأ له الطيران ، والوقوع على رأسها ، وكذلك يتهيأ للجن النظر إلى الفلك المستقيم ، وفلك البروج اللذان هما محيطان على السماوات السبع والأرضين السبع ، ومكان الملائكة بهما الا انه لا يتهيأ لهم الصعود إليهم فيغتذون بالعلوم الإلهية الربانية من اتصال الملائكة بهم إلى أن يتهيأ لهم بذلك الانتقال إلى مرتبة الملائكة وان لم يتغذوا بالعلوم الإلهية صاروا عند النفخة الأولى أبالسة معاقبين بين النيران السبع ، وذلك لان انتقالاتهم على نوعين : امّا ان يكونوا مثابين أو معاقبين ، وكذلك انتقال الانس بالقوة على نوعين أيضا .
وامّا انتقال الملائكة فهو على نوع واحد ، وانما نشرح ذلك فنقول :
ان الانس بالقوة يطيعون ويعصون ، والعاصي منهم يصير شيطانا مستحقا للعقاب بعد فساد قالبه « 1 » ، والمطيع منهم يصير جنيّا مستحقا للثواب بعد فساد جثته ، وكذلك بيّن اللّه موتهم على نوعين : أحدهما قوله :
- قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
فملك الموت هاهنا دليل على القاعدين على كراسي الأوصياء والأئمة والآخذين بما ليس لهم به حق ، ولقبوا بملك الموت من
هامش
( 1 ) في نسخة س وردت قوالبه .