إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
.
فلو لم يكن في تقدير اللّه تعالى ان يصير موسى يوما مثل ذلك الجبل ، اي انك لن تراني اليوم ولا غدا ، لان الذي هو في صورة النفسيّة العقلية مثل الجبل لا يمكنه رؤيتي ، فكيف وأنت في الصورة الجسدانية للانسان بالقوة .
وممّا يؤكد قولنا هذا ان افعال الجبال « 1 » والمعادن كلها سكون ، وليست بطاعة ولا معصية لأنها مواد طبيعية مجبورة ، وافعال النبات على نوعين سكون طبيعي وحركة نمو ، وليست بطاعة ولا معصية لأنه أيضا مواد طبيعي مجبور ، وافعال الحيوان الخرس كلها عصيان ، لأنه حسي لا نطقي ولا يقال لافعاله معاصي لأنه ليس بمكلف ، ولو كان مكلفا لاستحق العقاب ، ولمّا لم تكن افعاله معاصي ، لم يسمّى عاصيا ، وأفعال الانس بالقوة طاعات ومعاصي لأنهم مكلفون فهم إذا يستعملون الظواهر ويتعلمون بواطنها ، ويرتكبون الصغائر والكبائر جميعا ، وانهم معاقبون بمعاصيهم مثابون بطاعتهم ، وان الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر منهم ، وكذلك قال اللّه تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
وانما وقعت منهم الطاعات والمعاصي جميعا لأنهم أحياء ناطقيون ، فأرواحهم الحسيّة تدعوهم إلى المعاصي ، وأرواحهم الناطقة تدعوهم إلى الطاعات ، وهم الملكان الذين ذكرهم اللّه تعالى ، ان أحدهم يكتب الطاعة ، والآخر يكتب المعصية ، وهاهنا نبين قول البخاريّة : ان اللّه خلق استطاعتين استطاعة الشر ، ويستحيل وقوع الخير منه ، واستطاعة الخير ، ويستحيل وقوع الشر منه ، ومن هاهنا قال النبي ( صلعم ) : ان إبليس يجري في بني آدم مجرى الروح والدم عنى بذلك الروح الحسيّة .
وأفعال الجن بالفعل طاعات وصغائر ، وذلك انهم يطيعون ولا يقع منهم من المعاصي شيء الّا الصغائر فقط ، وانهم مؤاخذون بالصغائر ومعاقبون بإتيانها ، ومثابون بتركها ،
هامش
( 1 ) في نسخة ق وردت حركات الجبال .