بكليته ، فإذا فارقها بكليته صار الرجل عند تخلصها من وطئ الأرض تفعل فعل اليد من التناول عند التخلص من وطئ الأرض ، واليد تعمل عمل الفم من الاغتذاء والنطق ، والفم يعمل عمل الرأس اعني ان رأس النبات غير متناول متغدي ، وفم البهائم متناول متغدي ، ويد الانسان بالقوة متناولة ، وفمه متغديا ناطقا ، فلمّا صار الفم للانسان بالقوة ، ويديه هاتان القوتان اللتان هما النطق والتناول اللذان يكونان في أفواه البهائم وأيديها ؛ وجب ان يكون لليد عند الانتقال عن هذا العالم قوة أيضا فتصير ناطقة متغدية ، وتدفع تدبير التناول إلى الرجلين عند استفادتهما النطق والاغتذاء كما رفع فم الانسان بالقوة تدبير التناول إلى اليدين عند استفادة النطق والاغتذاء جميعا وذلك عند فراق الروح قالب الانسان بالقوة فتصير هذه الروح في تلك الحال حية بالفعل ، إذا كان مثابا ، فالرجلان عند ذلك يعملان عمل اليدين في التناول ، واليدان يعملان عمل الفم واللسان في الاغتذاء والنطق وهذه مرتبة قد ذكرها اللّه تعالى في قوله :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
وجاء :
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
.
وممّا يؤكد ما قلناه انه لمّا جاز ان تغتدي المعادن بجميع جسدها ، وجاز ان يتغدى النبات برأسه الراسب في الأرض ، وجاز ان يتغدّى الحيوان في بطن أمه بسرته « 1 » ، وفي الدنيا بفمه ، كذلك يجوز أيضا ان ينتقل الانس إلى حال يتغدون بأيديهم ، وينطقون بها ، والدليل على ذلك أيضا ان اليد اليوم في هذا الحال ناطقة بالقوة ، لأنها تكتسب وهي ترجمان اللسان تتصور وتنقش وتنطق بالإشارة ، فإذا انتقلت عن هذا الحال وذلك بعد فساد القالب خرجت من حد القوة إلى حد الفعل ، وتصير ناطقة بالفعل ، والجن من الانسان بالفعل كالعظام من الانسان بالقوة ، ولمّا كانت المعادن والنبات والحيوانات الخرس والبشر وفراق الأرواح من البشر مشاهدة معلومة محسوسة بالابصار ، لم تحتاج إلى دليل يدل على صدق ما حكيناه .
هامش
( 1 ) وردت بنسخة س ( بصرته ) .