فأمّا الدرجات الباقيات فان اللّه قد بيّن ذلك في كتابه فقال :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
يعني الانس بالفعل قيام ينظرون ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، فالنفختان تدلان على الدرجتين الباقيتين ، وأمّا قوله الّا ما شاء اللّه يعني الّا من وصل إلى هاتين الدرجتين ، أو جازت عليه احدى النفختين أو كلاهما ، فإنهما لا يصعقون ، وامّا تأويل قول العامة ان النفختين هما اللتان ذكرهما اللّه تعالى ، والثالثة دليل على التصور بصور الجن إذا كان نصف حاله مشاهدا ونصفه غائبا ، ولذلك عظم على الناس اليوم الثالث من نوم الميت ، لأنه يصير إلى الفرض في الدرجة الثالثة من الاستحالة المسماة موتا ، وكذلك عظموا اليوم السابع ، لأنهم في التعظيم الثاني الأول من خلود درجاتهم الروحانية ، وفي التعظيم خلود جميع درجاتهم الروحانية ، ونقول : الا ان الجني ينتقل في النفخة الأولى إلى الرتبة السادسة التي هي مرتبة الملائكة فيصير ملكا بالفعل ، وتصير هي في ذلك الوقت متغدية ناطقة فلا تحتاج إلى اليد تتناول بها ، وتكون الآلات قد انتقلت وصارت إلى مرتبة أخرى فدفعت امر اليدين إلى الرجلين ، والرجلان كانا في الدنيا على الأرض لا يتناولان ولا ينطقان ولا يتغديان ، فإذا صارا هما الناطقان والمتغديان فلا يحتاجان إلى شيء للتناول .
وكذلك وصف النبي ( صلعم ) بعض الملائكة فقال : رؤوسهم تحت العرش والكرسي وأرجلهم تحت الثرى ، لان جميع صورهم واعضاءهم الروحانية قد استغنت عن الاغديات غير الأرجل فوصفها بأنها لا تستغني عن الغداء بل محتاجة إليه كحاجة من في السفلي إليه ، فلعلّ سائلا سألنا عن أغذية الملائكة ؟ فنقول له : لا بد لكل مأكول ومشروب من ثلاثة أشياء طعم ورائحة ولون ، فالرائحة الطف من النوم ، واللون الطف من الطعم ، فغداء الانس بالقوة الطعام ، وغداء الجن الأراييح ، ولذلك يبخر الناس للجن بأنواع البخور والطيب ، وغداء الملائكة الألوان ، والانس بالقوة غير مستغنيين عن الطعم ، وغير مستغنيين عن الرائحة والطعم واللون جميعا ، والجن مستغنيين عن الطعم ، وغير مستغنيين عن الرائحة واللون ، والملائكة مستغنيين عن الطعم والرائحة ، وغير مستغنيين عن