لم تكن في المولود الأول الذي هو المعادن ، فصارت فيه الأراييح « 1 » والأزهار والمذاقات .
ثم لمّا جاء المولود الثالث الذي هو الحيوان الأخرس ، رأيناه قد فارق الأرض بجميع صوره ، ليس شيء من رجليه ، ولا من رأسه الراسب في الأرض ؛ الّا انه مطلع على الأرض ينظر إليها فصار فيه الحس والحركة ، الّا رأيه يستمد به ويدبر ، وصار اخذه وتناوله وغداؤه بالفم ، وظهور اعماله بسائر أعضائه .
ثم رأينا بعد ذلك هذا المولود الرابع الذي هو الانس بالقوة تخلص عن الاكتباب على الأرض ، ورفع عنها رأسه وبدنه وبقيت عليها اقدامه فقط ، فلمّا تخلّصت أعضاءه كلها عن الأرض الّا اقدامه صار الفم مغتديا ناطقا ، وصارت اليدين تعملان ما كانت أفواه الحيوانات الخرس تعمله ممّا تناوله بيدها وتغتدي بفمها ، والانسان بالقوة ابدا يشتاق إلى أن تخلص اقدامه من الأرض ، كما تخلصت يداه ، لان غاية الانسان ان يفارق اقدامه الأرض كما فارقتها جميع أعضاء جسده ، فلمّا رأى الانسان بالقوة تلك القوة موضوعة فيه لم يدع اظهار هذه العلامة في يقظته ، ولم يفقه حقيقتها في منامه أيضا لأنه جاء في يقظته استعجالا للارتفاع عن الأرض والمفارقة لها ، فسخّر الدواب لترفع قدميه عن الأرض ، فلم يصر مالكا الّا بركوب الدواب التي رفعت قدميه عن الأرض ، هذا في اليقظة ، فأمّا في المنام فإنه يرى نفسه يطير ويذهب حيث شاء لا يمنعه عن ذلك مسافة ولا بعد ولا حجاب ، فإذا الانسان بالقوة هو انتهاء امر المواليد برؤيا العين ، ولم نجد بعده مولودا تراه العين بحالة خامسة أيضا ، فنعلم كيف حالة ذلك المولود كما علمنا أحوال هذه المواليد الأربعة ، اعني انّا رأينا حال المعادن انها في الأرض وفيها الصفاء واللون فقط ، ورأينا حال النبات ان رأسه في الأرض وبه يغتدي ، ومن رجليه تستبين آثاره العجيبة من الأراييح والمذاقات ، وحال الحيوان الأخرس انه مباين للأرض ، غير راسب فيها كرسوب الحجر والنبات ، الا انه منكب عليها يتناول ويغتدي بفمه ، وحال الانسان بالقوة ان رأسه في السماء ويداه مرتفعتان عن الأرض ، ورجلاه ثابتتان على الأرض أيضا ، يتناول بيده ، ويغتدي بفمه ، وينطق بلسانه .
هامش
( 1 ) في نسخة ق وردت الروائح .