ومنها القوى الثلاث ، وهي قوة الحس ، وقوة الوهم ، وقوة العقل ، وكل واحدة منها منقسمة على ثلاث وذلك لان قوة الحس تدرك الاشخاص ، وليس لها قوام ، ولا ظهور فعل ، الّا مع مشاهدة المحسوس ، فإذا انتهى المحسوس عند الحاسة بطل الحس ، فثبت بذلك ان قوة الحس لا تدرك الّا الأجسام والاعراض ، فقوة الحس والأجسام والاعراض ثلاثة أشياء ، وامّا قوة العقل فإنها تدرك الأشياء المحسوسة والأشياء العقلية ، فقوة العقل والأشياء المحسوسة والأشياء العقلية ثلاثة ، وهاتان القوتان هما كالمتضادين ؛ لان كل واحدة منهما في غاية البعد عن نظيرتها وفي الطرف الأقصى ، وامّا قوة الوهم فإنها متوسطة بين هاتين القوتين ، وذلك ان لها وصل بالعقل ، فهي تأخذ من الحس وتدفع إلى العقل ، لان الوهم أثّر تأثيرا في الروح من سور الأشياء المحسوسة ، فبقي فيها بعد زوال الأشياء المحسوسة على الحواس ، وذلك كتوهمها صور أقوام وأمكنة « 1 » وبلدان شاهدناها ثم غبنا عنها ، فنحن نتوهمها متى جئنا ، فالوهم كما ذكرنا يعرض ما يأخذه من الحس على العقل ليميزه ويحفظه عليه ، فكل مدرك لم يكن مأخذه من الحس فلا سبيل إلى وقوع الوهم عليه البتة ، فقوة الوهم وما اخذه من الحس ، ودفعه إلى العقل ثلاثة أشياء تكملة التسعة .
ومنها العوالم الثلاث وهم : العالم الجسماني والعالم الجرماني ، والعالم الروحاني ، فأضيف إلى العالم الجسماني الأمهات والمواليد ، وإلى العالم الجرماني الآباء التي هي النجوم والحركات التي هي الدوران ، وإلى العالم الروحاني العقل والنفس تكملة التسعة ، ومن الحروف الثلاثة التي بها قوام الشهادة كل حرف منها ذو حاشيتين وواسطة تكملة التسعة ، ومن الاكوار الثلاثة التي بها قوام العالم الوضعي كل كور منها مجمع للظاهر والباطن تكملة التسعة ، وغير ذلك من الشهادات التي لم اذكرها مخافة التطويل في هذا الكتاب .
كل ذلك يصدق ما قلناه في الانس من المراتب الثلاثة المنقسمة على تسعة أشياء ، وإذا كنّا قد فرغنا بحمد اللّه ومكنة أولياءه من اثبات الانس بالقوة ، فلننتقل إلى
هامش
( 1 ) سقطت في نسخة ق .