والتصرف في علم الحقيقة في هذا العالم ، ووجب له الثواب الجزيل في معاده ، ومثل هذا قول رسول اللّه ( صلعم ) : من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا دخل الجنة ، فقيل يا رسول اللّه وما اخلاصها ؟ قال : معرفة حدودها وأداء حقوقها ، وتأويلها الموجز هو تأويل قوله ان للّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، فامّا تأويلها التام فقد ذكره الحكيم الصادق في كتاب « المحصول » وفي ذلك غنى وبلاغا عن إعادة ذكرها في كتاب من البيان ، وسبيل سائر الشرائع في باب التأويل ، والدلائل والمدلول هي هذا السبيل التي ذكرناها ، الّا اني تركت ذكرها مخافة التطويل ، لان الغرض في هذا الكتاب هو البيان عن أمور الملائكة والجن والشياطين والأبالسة ، والّا كنت اذكر باطن كل شريعة منها على نحو ما يوجبه التنزيل والتأويل معا .
وممّا يزيد ما قلناه من وصف تعذيب الأبالسة والشياطين تأكيدا ، لان الأشياء المخرجة والمخرجة من حد القوة إلى حد الفعل من البدء إلى الانتهاء منقسمة على سبع أرباع اثنان من كل أربعة : لطيفان ، واثنان كثيفان ، فالأربعة الأولى منها فوق الطبيعة ، والأربعة الثانية عناصر الطبيعة ، والأربعة الثالثة عالم الطبيعة والأربعة الرابعة علل القبل والبعد ، والأربعة الخامسة الأمهات الطبيعية ، والأربعة السادسة المتولدات الجسمانية والأربعة السابعة المتولدات الروحانية ، وانا أبين جميع ذلك على سبيل الايجاز والاقتصار مخافة التطويل وملالة القارئ فان استغلق على المتعلم منه شيء يسأل المستنبطين عن ذلك أو قرأ كتب الفلاسفة الاسلاميين فيجد جميع ما ذكرته في كتابي هذا ، ولم أبين الّا النكت منه هناك مشروحا مبينا ، وفيما ذكره الحكيم الصادق في كتاب « المحصول » غنى عن اعادته ثانيا في هذا الكتاب ، ثم اني أصف الأرباع السبعة فأقول : ان كل واحد من هذه الأرباع اسم هو مجمعها ، وان الكلمة تجمع الأربعة التي هي فوق الطبيعة ، وان الاثنان منهما مختاران سميعان بصيران حيان عالمان قادران وهما العقل والنفس ، وان كل واحد منهما محدود لا إلى غيرهما ولا نهاية لهما الّا من جهته التي اتحد كل واحد منهما بصاحبه ، وان العقل مبدع أبدعه الباري جل وعز لا من شيء ، والنفس مخلوقة قد خلقها الباري تعالى من العقل والاثنان منهما مجبوران منفعلان من فوق وفاعلان بالجبر من
الإيضاح — صفحة 148
مساهمون: ابو فراس
ص١٤٨