الشمال خراب وذلك لشدة برودته ، ولا يبقى هناك شيئا من الأشياء الحيوانية ولا النباتية ولا غيرهما ، ومن هاهنا صار جميع البشر الذين بناحية الجنوب سودا ، وجميع البشر الذين بناحية الشمال بيضا ، فمثلهم في ذلك كمثل الخبز الذي في التنور ، فإذا خرقت من شدة الحرارة صارت سوداء وإذا لم يكن الخبز محترقا ولينا كان آدما ، فلذلك كان البشر الذين هم في المركز من قطب الجنوب والشمال آدما سمرا ، والمنجمون يسمون العالم الجرماني عالم الأفلاك والنجوم ، والفلاسفة يسمون عالم الطبيعة ، كما سميناه نحن في هذا القول .
فامّا الأربعة التي هي علل القبل والبعد فيجمعها جهتان وهي الصيف والشتاء ، والربيع والخريف المتولدة من عالم الطبيعة ، وهي الأفلاك والكواكب والبروج ، اثنان منها أصلان أحدهما الصيف وهو حار يابس جوهره ونتيجته ذكر ، والآخر الشتاء وهو بارد رطب جوهره ونتيجته أنثى ، وقد ذكر اللّه تعالى الشتاء والصيف في قوله :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
ولم يذكر الربيع والخريف لان الشتاء والصيف أصلان ، والربيع والخريف منسوبان إليهما متولدان من بينهما ، واثنان منهما فرعان أحدهما الربيع وهو حار رطب جوهره ذكر ونتيجته أنثى شتوي ، والآخر هو الخريف هو بارد يابس وجوهره أنثى شتوي ، ونتيجته ذكر صيفي ، وامّا الأربعة التي هي الأمهات فيجمعها الفضاء وهي النار والهواء والماء والأرض ، فاثنان منهما لطيفان أحدهما النار وهي من عكس المريخ والشمس والمريخ وهي حارة يابسة جوهرها ونتيجتها ذكر وثانيها الهواء وهو من عكس المشترى وهو حار رطب جوهره ذكر ونتيجته أنثى ، واثنان منها كثيفان أحدهما الماء وهو من ثقل الزهرة والقمر وهو بارد رطب ونتيجته أنثى ، والآخر هو الأرض وهي ثقل زحل والذنب وهي باردة ويابسة وجوهرها أنثى ونتيجتها ذكر ، ولمّا كان جوهرهما أنثى صار اكتف من النار ، والهواء محيطا بهما ، وصاروا ملونين لكثافتهما ، ولا لون للنار والهواء للطافتهما ، وقد روى الحكماء القدماء من أصحاب الطبائع ، ان الملون بالحقيقة منها هي الأرض وذلك لاجتماعها وتماسك أجزائها ، لأنها في طبعها باردة يابسة ، وهاتان الطبيعتان يوحيان الانحصار ،