الباري تعالى دون آدم وان كان هو المدلول به آدم ما صار إبليسا لكنه لمّا أراد لآدم ما كان يتمنى لنفسه جحد مرتبته كذلك وعصى المعبود والمدلول حتى صار معاقبا ، ثم إن كل شريعة الفها رسول من الرسل بعد آدم كان بناءها في الباطن على الدلائل والمدلول إذا كان سبيلهم في ذلك لان كل شيء أراد ان يحدث في أولاد آدم صلوات اللّه عليه وعليهم وذلك لان كل شيء أراد ان يحدث في أولاد آدم جعله اللّه عز وجل مبروزا في أمور آدم ، كما أن كل شيء يكون بدئه من شيء فهو مبروز في ذلك الشيء الأول بالقوة ، فلهذا قلنا إن اللّه تعالى جمع في آدم وحواء كل ما يجري في جميع أولادهما من الطاعة والمعصية والذنب والتوبة ، وغير ذلك لا يحدث في أولادهما ممّا قل أو كثر ، عظم أو صغر ، الّا وقد جرى ذلك على آدم وزوجته وذلك ان أولادهما بين مطيع وعاصي وبين كافر متمرد ومؤمن مخلص وبين رسول كامل وعدو تام العداوة بإزائه ، وان من اشتهر بغلظ الجثة الموصوفة في كور آدم شبيها بكون البشر في بدئه وسكونه في دار الخلد أشبه بما ينتهي إليه الصالحون منهم بما وعدهم ربهم من رجوعهم إلى دار الخلد مثابين ، وان آدم وحواء كانا مجمع البشر كذلك أولادهما ، وان كثر عددهما لا يجاوزون من ذكر وأنثى ، وان عصيان آدم شبيه بما يرتكب العاصي من المناكر ، وتوبته شبيهة بتوبتهم ، وقبول توبته شبيه بقبول توبتهم ، ومضادة إبليس شبيه بأضداد الرسل والأنبياء على ما قال اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
فالذي لم يجري من آدم جرى من أولاده في حياته فوقف عليه من ذلك قتل قابيل هابيل فجرى ذلك في البشر إلى يوم القيامة ، ومن البشر من يخرج من الدنيا على الطاعة المحضة من اوّل عمره إلى آخره وهذا شبيه بهابيل ، ومنهم من يخرج من الدنيا على المعصية من اوّل عمره إلى آخره فهو شبيه بقابيل ، ومنهم من يجري امرا على الطاعة والمعصية شبيه بآدم ، وقد قال اللّه تعالى :
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى