تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
ونشوء المتولدات الروحانية في عالم الأمهات وجب أن تكون قوالبهم في بدئهم من الأمهات ، وكما أن خروجها من حد القوة إلى حد الفعل كان خارجا من عالم الأمهات وجب أن تكون قوالبهم من الأرواح ، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا هذا عند ذكر الأرواح والقوالب ، ونعود لذكره بالنظر لحاجتنا إليه في هذا المكان ولا حول ولا قوة الّا باللّه . فامّا أهل الجنة الذين هم الانس بالفعل فإنهم قد تخلوا عن جميع الطبائع وفارقوا جميع الأمهات والمفردات وقواهم الروحانية التي بها يكون قرارهم وهو القائم سلام اللّه على ذكره ومائهما الروحاني النفسي وهوائهما الروحاني للعقل ، وقامت الكلمة للعقل والنفس ، والقائم في العالم العلوي مقام النار للهواء والماء والأرض في العالم الأسفل وهاهنا يصح تأويل قول اللّه تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
وقوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
وهذا التأويل هو تأويل الانتهائية ، وتأويل آخر في هذا المعنى غير الذي بينّاه وهو أسفل المتولدات الأربعة الجسمانية المعادن وهو مقابل الأرض الجسمانية ، وثانيها النبات وهو مقابل الماء الجسماني ، وثالثها الحيوان الأخرس ، وهو مقابل الهواء الجسماني ، ورابعها البشر وهو مقابل النار الجسمانية ، ثم ترجع المعقولات الأربعة الروحانية في الدوران معكوسة عندنا لا عندهم حتى يصل الرابع منهم إلى القرار الذي هو الأرض الروحانية ، وذلك ان الأبالسة مقابل النار الروحانية ولهذا عوقبوا بها في الآخرة عند بروز القائم سلام اللّه على ذكره بهويته البسيطة ، والجن مقابل الهواء الروحاني ، والملائكة مقابل الماء الروحاني ، وأهل الجنة مقابل الأرض الروحانية ، والعقل والنفس مقابل الشمس والقمر الروحانيين والكلمة مقابل نور الشمس الروحاني . وجميع ما قلناه وفصلناه تقربا إلى الأوهام وتقريرا في الافهام لان هناك مكانا وزمانا وانتقالا وتحويلا يؤكد قولنا في هذا البيان ما قاله « بليانوس » الحكيم في كتابه المسمّى
الإيضاح — صفحة 143 | ابو فراس