الصور المستقيمة في الآخرة هم الذين جازوا المراتب السبع فيما بين الأمهات الأربع والفلكين حتى تهيأ لهم بذلك قبول آثار العالم العلوي ، فامّا السقط الذي صارت خلقته معكوسة في بطن أمه فلأنه عرضت له اما من جهة الأمهات ، وامّا من جهة الأفلاك فلم يتهيأ له بذلك الوصول إلى الدرجة السابعة ، ووقف عند درجة من الدرجات التي دونها ، ولم يمكنه مجاوزتها فخرج من الدنيا ناقصا عاجزا عن قبول آثارها ونعمها ، وتلك الآثار تصير النعم عليها عذابا ، والصور المستقيمة رحمة وثوابا ، وكذلك الأبالسة بالفعل فان صورهم في قلوبهم معكوسة لميلهم إلى الظواهر دون البواطن ولاقتصادهم على العمل بالشرائع دون العلم فلم يتهيأ لهم بذلك الوصول إلى الدرجة السابعة ، ووقفوا عند الدرجة الخامسة ، ولم يمكنهم مجاوزتها عند قبول نفخ التأييد في صورهم ، ووصلوا بذلك إلى العالم العلوي بالمخالفة عادمين للمشاكلة ، فلم يتهيأ لهم لهذه العلة قبول آثاره ونعمه فصارت تلك الآثار والنعم عليهم عقابا وعذابا ، والانس بالفعل هم المثابون رحمة وثوابا ، وهذا العذاب هو العذاب الروحاني الذي سميناه النار الروحانية .
فقد ثبت بجميع ما بيناه ان عذاب المرتدين في ثلاثة مواضع أحدها في الدنيا قال اللّه تعالى :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وهو عذاب القشور الأدنى ولقوله جل وعز :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
وقوله : دون العذاب الأكبر يعني دون العذاب الذي بين الأفلاك السبعة لعلهم يرجعون ، فلو لا ان العذاب الأدنى قبل فساد القالب والموت والألم يكون لقوله تعالى لعلهم يرجعون معنى ، ولا فائدة لان التوبة والرجوع لا يقبلان بعد الموت من التائب والراجع ، والعذاب الثاني الذي بين الأفلاك ومدته إلى يوم القيامة ، وكيفية مدة هذا العذاب مشروحة في كتاب البرهان ، فمن طلبه من المؤمنين الواقفين على العلم الثالث وجده ، وانما صار هؤلاء بين هذه الأفلاك لان أرواحهم الحسيّة كانت مستفادة من الفلك ، ثم غلبت الناطقة في الدنيا لبعدها عن التوحيد وفرارها من الايمان ، فلم يتهيأ لها مفارقته إذا صار كل شيء مغلوبا ،