الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
.
فقد تبين بهذا ان المقلدين أموات في الدوران بعد فساد قوالبهم ، والمؤيدون حسّاسون احياء معذبون فلذلك صار عذابهم ابديّا ، والفرق الستة الذين هم الأفلاك الستة السفلية واسطات بينهم وبين العامة ، فلذلك صار عذابهم متناهيا ، ومن هاهنا وصفهم اللّه بكلا الطرفين فقال :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
وكذلك قال رسول اللّه ( صلعم ) ان بعض الناس يعذبون على قدر ذنوبهم اي على قدر بقاء صورهم الروحانية ، والذين هم دون هؤلاء المعذبين وفوق المقلدين فهم الأرواح الفاسدة المترددة فيما بين السماء والأرض ، وهم حراس على القاء الشرور في هذا العالم والاضرار به كل واحد منهم يدور على قدر تباعده من التقليد ثم يخمدون ويتبددون فينضم كل جزء إلى شكله باقيا في الدوران إلى أن ينجو .
فلعل سائل يسألنا عن تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
فنقول : ان اللّه تعالى زجرنا أبلغ الزجر حتى وقفنا على بلوغ زجره من جهة المشاهدة ليكون احكم في التدبير وذلك لان في المشاهدة لا يؤلم أحدا الّا بوجود ثلاثة أشياء أحدها أن تكون الهيولى مهيأة لقبول الألم كالمضروب ، والثاني ان لا يمتنع المؤلم عن اتصال الألم كالضارب من المضروب ، والثالث الآلة التي إليها يوصل المؤلم الألم إلى المؤلم كالخشب وما أشبهه ، فان صحّ ذلك فنقول ان اللّه تعالى في دوام الهيولى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
اي لو وقفوا على الحقائق حتى تصوروا بصور لا تتبدد ولا تبيد ، وقال في دوام اتصال الألم إلى المؤلم :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
، وقال في دوام الآلة التي بها يصيبهم المؤلم :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ